للذهاب الى صفحة الكاتب   

حوراء الربيعي

حين ينقش الحبر وجع الأنثى ومجد القصيدة

محمد علي محيي الدين

 

في مدينة الحلة، حيث يهمس الفرات بأسرار العشاق وتاريخ الحروف، ولدت حوراء ميثم عبود الربيعي في السادس من تشرين الثاني عام 1998، لتخطّ منذ صباها ملامح شاعرة لا تهادن اللغة، ولا تساوم على دفء المشاعر. هناك، بين ضفاف الكتب وأزقة الروح، تفتحت موهبتها الشعرية كزهرة برية تقاوم قسوة المناخ، وتمتد بجذورها في تربة الحلم والعناد الجميل.

 

أكملت دراستها في الحلة، ثم التحقت بكلية العلوم الإسلامية في جامعة بابل، وتخرجت فيها عام 2021، لتشق بعدها طريقها في حقل التعليم، معلّمةً للغة العربية، تنثر بين طلابها بذور المحبة للكلمة، وتمارس صمت المعلمين حين يتحدث الشعر في أعماقها. لم تنتظر فرصة لكي تُعرَف، بل صنعت لنفسها مكانًا على خارطة الإبداع، بدءًا من مشاركاتها النشطة في أماسي اتحاد أدباء بابل، شاعرة ومقدمة، وانتهاءً بترجَمة بعض نصوصها إلى الإنكليزية والألمانية والفرنسية، وكأن لغتها تأبى إلا أن تتجاوز ضفاف الوطن.

 

"قربان على مذبح الصيت": عتبة العنوان ومرآة الذات

في أولى مجموعاتها الشعرية "قربان على مذبح الصيت" (2020)، نستشعر منذ العنوان ذلك التوتر الكامن بين المجد والخذلان، بين الحلم والواقع، بين الشاعرة وما تكتبه وما يتلقاه المتلقي. عنوان لا يُقرأ بسهولة، كما لا تُقرأ أعماق قلبٍ تشرّب الخيبة وبقي وفيًا للبوح. الناقد غانم عمران المعموري يلتقط هذا الخيط الرهيف في قراءته، متأملاً ما سماه "الذات المتخيلة" للشاعرة، وكيف تتجلى في التفاعل الوجودي بين النص والقارئ، وفق مفهوم "آيزر"، ليصل إلى خلاصة أن العنوان نفسه هو دعوة لتأويل عميق، وتأمل طويل في معنى أن تكون أنثى في مجتمع ذكوري، وأن تكتب رغمًا عن ثقل القيود، وكأن القصيدة صكّ تحررٍ لا اعتراف.

 

أما الناقد سعد الساعدي، فقد قرأ مجموعتها الشعرية من منظور "التحليل والارتقاء"، مشيرًا إلى انشغال حوراء بصياغة فلسفة شعرية قائمة على النفس الجمعي والبوح الفردي، وعلى جدلية الواقع والمُتخيل، وقد وقف عند ومضاتها الشعرية بوصفها تمردًا هادئًا يعيد تعريف العلاقة بين الناقد والنص.

 

نثر يفيض شعرًا

ولأن روحها لا تعرف القيود الأجناسية، فقد كتبت أيضًا القصة والنصوص النثرية والومضات السردية، وقدّم لها النقاد رؤى متباينة تكشف عن عمق تجربتها، رغم حداثة سنّها. في نص "أفكار.. وسيناريو واحد", وجد فيها طالب المعموري تجربة إنسانية شفافة، تستبطن الحزن وتفصح عن الحلم، مستشهدًا بتقنيتها في توظيف المنولوج الداخلي، والتعبير عن الذات المكسورة بلغة تتأرجح بين الشفافية والاحتراق.

 

أما الناقد وجدان عبد العزيز، فقد التقط بين سطورها نغمة الحيرة والتيه، ليرى فيها مشروعًا شعريًا متجذرًا في الألم، لكنه يمضي نحو كشف الغطاء عن مأساة الأنثى المعاصرة التي تتأمل العالم بعين الحلم، لكنها تكتب بعين الجرح.

 

شاعرة تُصغي لصمتها

ليست حوراء الربيعي فقط ابنة لغة، بل ابنة همّ. في نصوصها عطر الروح المنهكة، وخفقة قلب لم يسلّمه الواقع بسهولة، لكنها تمارس شِعرها كفعل مقاومة، ضد الصمت وضد النسيان. الناقد عبد الحسين الشيخ علي رآها وهي "تعلّق آمالها على حبل التمني"، في قراءته لنص "وأحرر البوح", مشيرًا إلى أن حريتها المتخيلة ما تزال تصطدم بجدران مجتمعية تحول بين الشاعرة ومشروعها الحياتي والشعري.

 

لقد استطاعت حوراء أن تكرّس أسلوبها الخاص، صوتًا يتهجّى الجرح، ويرسم خريطة وجدانية تتكئ على الإحساس قبل البيان، وعلى الذائقة قبل البلاغة. هي شاعرة تسير على الحافة، تُنصت لصمتها، وتجعله يبوح عبر قصيدة ليست "للحظة" بل "للحياة".

 

ختاما حوراء الربيعي ليست مجرد موهبة عابرة، بل مشروع أدبي متكامل، يتوسل النضج عبر معاناة الكلمة، ويشتبك مع الواقع ليعيد تشكيله شعريًا. وقد صدق من قال: "إن الشعر لا يكتبه الذين يملكون اللغة فقط، بل الذين تملكهم اللغة"، وحوراء واحدة من هؤلاء الذين تلبستهم القصيدة فصاروا وجها آخر لها، أكثر إنسانية، أكثر صدقًا، وأكثر وجعًا.

 

وما زالت تكتب.. لأن الحياة ما زالت تؤلم.