
عامر الحمداني: شاعرٌ وقاصٌ في رحاب الإبداع والتجديد
محمد علي محيي الدين
في عالم الأدب العراقي، حيث تتشابك أصوات الشعر والقصة، تبرز شخصية عامر جواد الحمداني، القاص والشاعر الذي حمل بين يديه إرثاً ثقافياً متنوعاً وغنياً. وُلد في قضاء المسيب بمحافظة بابل عام 1966، حيث شهدت نشأته المتواضعة تعلماً متوازناً بين العلم العسكري والدراسات الإنسانية، ما جعله يجمع في نصوصه بين الدقة الحربية ورهافة الحس الشعري، فضلاً عن عمق الرؤية القانونية والاجتماعية التي صقلها لاحقاً بحصوله على شهادة البكالوريوس في القانون.
حياة عامر الحمداني رحلة تداخلت فيها الأدوار المتعددة: من ضابط عسكري متخرج من الكلية العسكرية سنة 1986، إلى باحث علمي حائز على الماجستير في العلوم العسكرية، ثم موظف ومدرب معتمد في إدارة المشاريع، ما عكس طيفاً من الخبرات الحياتية التي تشكل نسيج تجربته الأدبية. ولم يكن الأدب مجرد هواية عابرة، بل صار ذاكرةً حية وحواراً متواصلاً مع الذات والمجتمع، عبر مجموعة من الدواوين الشعرية والدراسات التي تناولت موضوعات متنوعة، بدءاً من التأملات الدينية والوجدانية، مروراً بمدح أهل البيت، وصولاً إلى القضايا الوطنية والإنسانية.
صدر له ديوان "القصائد الدرية في العترة المحمدية" (2012)، الذي شهد حضوراً مميزاً في الوسط الثقافي العراقي، إذ جاء الشعر فيه ينبض بالإيمان والتقديس، مع تمازج بين لغة عذبة ورؤى شعرية تتغنى بسيرة أهل البيت عليهم السلام. ثم توالت الإصدارات التي أظهرت تنوعاً في الموضوع والأسلوب، مثل ديوان "تراتيل في معبد الحسن" (2014)، الذي تميز بالتزامه الروحي والوجداني، إلى جانب ديوان "نساء تلد التاريخ"، الذي استلهم فيه التاريخ من نساء صنعن الوعي والذاكرة، مؤكداً بذلك على دور المرأة في صناعة المجتمعات والأحداث.
وفي أفق الإبداع، لا يغيب عن نصوصه استخدامه الفني المتمكن، سواء في الشعر العمودي أو الحر، كما تجلى في مخطوطاته المتعددة التي تضم دواوين مثل "تزعمين الحب" و"حديث الكساء"، ما يدل على مرونة ثقافية وقدرة على التجديد والابتكار، وهو ما يضعه في مصاف الشعراء الذين يتقنون المزج بين التراث والتجديد.
حظي عامر الحمداني باهتمام ملحوظ من النقاد والأدباء في العراق وخارجه. حيث أشاد النقاد بأسلوبه الشعري المميز الذي يمزج بين الفصاحة والعمق، وبين السرد الشعري والقصصي. فاتهمته العديد من الدراسات الأكاديمية، مثل البحث الذي أعدته جامعة القادسية حول ديوانه "القصائد الدرية في العترة المحمدية"، الذي اعتبرته نموذجاً فريداً في أدب المدح، إذ استطاع الشاعر أن يوظف لغة قوامها الإحساس والتعبير الصادق، مبرهناً على قدرة الشعر في التأثير الروحي والاجتماعي.
ويُجمع النقاد على أن عامر الحمداني لا يكتفي بنقل الواقع، بل يسعى إلى إعادة تشكيله من خلال لغة شعرية تتسم بالقوة والشفافية، كما أن تجربته في القصة القصيرة، رغم محدودية عددها، تبرز قدرته على استثمار السرد في توصيل رسائل إنسانية واجتماعية، مع تأكيده على الدور الحضاري والأخلاقي للأدب.
وقد ذُكر في أكثر من مناسبة أن الحمداني يُجيد المزج بين الفكر العسكري والقانوني من جهة، والشعر والتأملات الروحية من جهة أخرى، ما يضفي على نصوصه بعداً معرفياً وفلسفياً، ويجعله صوتاً متميزاً في فضاء الأدب العراقي المعاصر.
ليس فقط في الكتابة والإنتاج الأدبي أبدع الحمداني، بل كان حاضراً بقوة في الفعاليات الثقافية، حيث شارك في مهرجان الإمام الحسن (ع) العالمي الثاني 2015، وشارك بمقالات وقصائد في العديد من الصحف العراقية والعربية، مثل جريدة الزمان، طريق الشعب، الجماهير، والمسيب الثقافية، فضلاً عن مجلة السنبلة. وهو عضو فعال في اتحاد الأدباء ببابل منذ عام 2015، ما جعله جزءاً من شبكة ثقافية متميزة تدفع بالعراق إلى أفق التلاقح الثقافي.
وحاز على العديد من الشهادات التقديرية والجوائز التي تعكس تقدير الوسط الأدبي له، وكذلك شارك في كتابة نص مسرحي بعنوان "مذكرة اتهام" بنمط الشعر الحر، ما يدل على اهتمامه بتجريب أشكال فنية متعددة.
إن رحلة عامر الحمداني تظل شاهدة على أن الإبداع لا يعرف حدوداً، ولا يستكين إلى قالب واحد، بل هو انطلاق مستمر من الذات إلى العالم، من الفكر إلى القلب، من التجربة إلى النص. في شعره، نتلمس نبضات إنسانية صادقة، وفي قصصه ملامح اجتماعية تختزن هموم الواقع وطموحات الغد.
هو شاعر وقاص لم ينسَ جذوره، بل زرعها بعمق في صحراء الحياة، وحصد منها ثمار الإبداع التي نثرتها أزهار النصوص في ساحات الثقافة العراقية. لذلك يبقى عامر الحمداني من الأصوات التي تستحق القراءة والتأمل، وإعادة النظر في تفاصيلها، لاستكشاف الكثير من ألوان الشعر والقصة التي تجمع بين الحكي والتأمل، بين الفرح والحزن، وبين الماضي والحاضر.
