
العراق بين الرفض الشعبي وغياب البديل السياسي
يونس متي
لا يعاني العراق من نقص في الغضب، بل من غياب من يحول هذا الغضب إلى فعل سياسي. فالمشهد العام يعج بحالة رفض شعبي متجددة للنظام السياسي، تتكثف مع كل أزمة خدمات أو انهيار اقتصادي أو تراجع إضافي في الثقة بالدولة. غير أن هذا الغضب، رغم اتساعه وتكراره، لم ينجح حتى الآن في إنتاج بديل سياسي منظم قادر على منافسة بنية السلطة أو التأثير الجدي فيها.
هذه ليست خصوصية عراقية خالصة لكنها في الحالة العراقية تتخذ طابعا أكثر حدة وانكشافا. فحتى في تجارب شهدت أنظمة سياسية مستقرة وقوية، لم يكن التغيير نتيجة الغضب وحده، بل نتاج قدرة قوى سياسية على تحويل هذا الغضب إلى مشروع منظم يمتلك امتدادا اجتماعيا واسعا، ويتجاوز النخب والمراكز الحضرية نحو المجتمع الأوسع. وتكمن الإشكالية الأساسية هنا في أن الاحتجاج، مهما بلغ من الاتساع، لا يتحول إلى تغيير سياسي ما لم يُترجم إلى تنظيم واضح، وخطاب متماسك، وبنية قادرة على الاستمرار.
في العراق، تتكرر موجات الاحتجاج منذ سنوات، من ساحات الحراك الشعبي إلى الانتفاضات الشبابية الواسعة، حيث تتجدد التعبيرات الرافضة للفساد وتدهور الخدمات وانسداد الأفق السياسي. غير أن هذه اللحظات، رغم كثافتها، بقيت أقرب إلى انفجارات اجتماعية متقطعة، لا إلى مسار سياسي متراكم. بمعنى آخر، ينتج العراق احتجاجا دائما، لكنه لا ينتج السياسة القادرة على تحويل هذا الاحتجاج إلى قوة تاريخية منظمة.
ويقدم حراك الفلاحين الأخير مثالا دالا على هذه الإشكالية. فقد خرج الفلاحون قرب المنطقة الخضراء في بغداد احتجاجا على تدهور أوضاعهم المعيشية وتنصل الحكومة من التزاماتها، مطالبين بإعادة تسعيرة محصول الحنطة، ودعم الإنتاج المحلي، وحماية القطاع الزراعي، ومعالجة أزمة المياه وارتفاع كلف الإنتاج. وهي مطالب لا تعكس أزمة قطاع محدد بقدر ما تكشف هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية على نطاق أوسع. لكن هذا الحراك، رغم اتساعه ووجه بالعنف ومحاولات التفريق، بدلا من التعامل معه كإشارة على خلل بنيوي في السياسات العامة.
ويكشف هذا التعامل طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق، إذ لا يُنظر إلى الاحتجاج بوصفه تعبيرا عن أزمة قابلة للحل السياسي، بل كتهديد أمني ينبغي احتواءه أو تفكيكه. وبذلك يغدو القمع جزءا من آلية إدارة التوتر الاجتماعي، لا مجرد رد فعل استثنائي.
ورغم أن أهمية حراك الفلاحين لا تكمن في واقعة القمع ذاتها، فإنه يكشف اتساع قاعدة الغضب الاجتماعي وانتقاله إلى قطاعات متعددة، من الفلاحين والعمال إلى الشباب والعاطلين عن العمل. إلا أن هذا الغضب يبقى مفتتا ومجزأ، غير قادر على التحول إلى قوة سياسية موحدة، بفعل غياب إطار تنظيمي جامع يعيد ربط هذه الاحتجاجات ضمن مشروع وطني متماسك.
ولا تكمن الإشكالية الأساسية في غياب الوعي، بل في الفجوة بين الوعي والتنظيم. فالمجتمع العراقي يدرك عمق الأزمة السياسية والاقتصادية، لكن هذا الإدراك لا يجد ترجمته داخل بنى سياسية قادرة على تحويله إلى فعل مستمر. وبهذا المعنى، يبقى الغضب قائما، لكن بلا قيادة مستقرة، ولا برنامج سياسي، ولا أدوات تنظيمية قادرة على تحويله إلى قوة داخل النظام السياسي.
في المقابل، لا يمكن تفسير استمرار النظام السياسي فقط عبر قوته، بل أيضا عبر ضعف بديله وتشتته. فالنظام لا يواجه كتلة سياسية موحدة، بل فسيفساء اجتماعية مجزأة، ويجيد توظيف هذا التفكك عبر إدارة الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية وحتى الفئوية، بما يمنع تشكل جبهة اجتماعية واسعة قادرة على إعادة إنتاج المعادلة السياسية.
وتكشف التجربة العراقية أن الاحتجاج، بوصفه فعلا اجتماعيا، لا يكفي لإنتاج التغيير. فالتاريخ لا يتحرك بالغضب وحده، بل بالغضب حين يجد شكله السياسي. وفي الحالة العراقية، تتجلى مفارقة واضحة هي وجود طاقة اجتماعية كبيرة بلا وعاء سياسي، وصوت احتجاجي مرتفع بلا بنية تنظيمية قادرة على تحويله إلى مسار تغيير مستدام.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا بفعل استمرار الانقسامات الاجتماعية العميقة، التي تعيد توجيه الاحتجاج نحو مسارات فرعية ومحدودة، بدلا من أن يتبلور في إطار جامع. فبدلا من أن تتقاطع المطالب الاقتصادية والاجتماعية يجري تفكيكها إلى احتجاجات متفرقة يسهل احتواءها أو عزلها. وبهذا تصبح السيطرة على المجال السياسي أسهل من مواجهة مجتمع موحد ومتماسك.
ومن هذا المنظور، لا يمثل حراك الفلاحين حدثا منفصلا، بل جزءا من نمط متكرر: احتجاجات قوية لكنها معزولة، لا تتحول إلى قضية وطنية جامعة.
وفي النهاية، لا تكمن أزمة العراق في غياب الاحتجاج أو الرفض، بل في غياب الإطار الذي يحول هذا الرفض إلى قوة سياسية منظمة. فالمجتمع يدرك أزمته بوضوح، ويعبر عنها باستمرار، لكنه لا يمتلك حتى الآن الأدوات التي تنقل هذا الإدراك إلى بديل سياسي قادر على التشكّل والاستمرار. وبين هذا الوعي الواسع وهذا العجز التنظيمي، تتحدد معادلة الواقع العراقي اليوم، ومفادها ان العراق يعرف أزمته جيدا، لكنه لا يملك طريقا الخروج منها.
