للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1445)

ذكريات مبكرة/ 2

 

 

      منذ مراحل حياتي المبكرة الاولى، ومنذ نعومة اظفاري ووعي النسبي بالحياة. كنتُ فيها مهووساً، بل مجنوناً جنون الحداثة المبكرة..! بموسيقى وغناء المقام العراقي رغم حداثة هذه المرحلة من الحياة..! ولعل رمز المقاميين العراقيين استاذنا محمد القبانجي، كان الرمز المسيطر وفي مقدمة اهوائي وسماعي لمقاماته العراقية والمقامات الاخرى التي كنت اقتنيها واتلذذ بسماعها ليلاً ونهاراً دون كلل او ملل..! وعليه كان حلمي الكبير ان أراه أو ألتقيه يوماً..!

     عند اقامة المنقبة النبوية لاربعينية مطرب المقام العراقي المرحوم جميل اسماعيل حجازي الحيالي الاعظمي عام 1967. كنتُ حينها قد بلغت من العمر 15 سنة تواً. وفي هذه المنقبة النبوية حضر استاذنا محمد القبانجي مع مقرئين مقاميين آخرين للمشاركة في قراءة المنقبة. وحينها شاهدتُ محمد القبانجي لاول مرة. ولهذه الليلة التاريخية تفاصيل مثيرة ساتحدث بها في مناسبة قادمة ان شاء الله.

اما الآن، فما دمنا قد مررنا قبل ايام قليلة بذكرى المولد النبوي الشريف، فاليك عزيزي القارئ جانبا من احدى الاحتفالات بذكرى المولد النبوي في مدينتي الاعظمية.

الاعظميون يحتفلون سنوياً، بمناسبتيـْن جليلتيـْن على نفوس كل مسلم ومسلمة، وينتظرون ذلك بفارغ الصبر على الدوام، قدوم الاحتفال بهاتيـْن المناسبتيـْن الدينيتيـْن العظيمتيـْن هما، ذكرى مولد رسولنا الكريم محمد ابن عبد الله(صلى الله عليه وسلم)، وذكرى الاسراء والمعراج، التي اسرى فيها نبينا الكريم من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى. الذي يقام في الساحة الكبيرة لجامع أبي حنيفة النعمان إبن ثابت الكوفي(رض). ليستمعوا ويستمتعوا بكل فقرات الاحتفالين، وعلى الاخص بالمنقبة النبوية الشريفة، التي كانت على الدوام ضمن منهاج الاحتفاليـْن السنوييـْن الذي يتضمن إلقاء كلمات بالمناسبة وقصائد شعرية تعبـِّر عن المناسبتيـْن. حيث يقود المنقبة النبوية الملا الشهير بدر الاعظمي، يرافقه فيها أعظم قارئ مقام عراقي على مدى العصور، محمد القبانجي. وقد كانت هذه الاحتفالات غالباً ما تنقل تلفزيونياً عبر الهواء مباشرة.

 

           وفي إحتفالية المولد النبوي الشريف الذي صادف بالتاريخ الميلادي، يوم 16 /5 /1970. وانا في عمر اقل من 18 سنة بقليل. إحتفل الاعظميون كعادتهم في ذكرى المولد. وقد حضر الاحتفال كالعادة الكثير من الوفود التي كانت تأتي في كل مناسبة من هاتين المناسبتين من جميع محافظات العراق دون استثناء، مُحمـَّلة بكلماتها وقصائدها لتشارك في إلقائها بالاحتفال. وفي هذا اليوم من إحتفال هذا العام للمولد النبوي، حضر نائب رئيس الجمهورية المرحوم الفريق الطيار حردان عبد الغفار التكريتي. راعياً للاحتفال وممثلاً لرئيس الجمهورية المرحوم احمد حسن البكر. وكانت الجماهير محتشدة وغفيرة جداً كالعادة. والمنقبة النبوية طبعاً من ضمن المنهاج، والجماهير تنتظرها بشغف بالغ، وقد وُضِعت في آخر المنهاج، وبعد إلقاء بعض الكلمات من قبل بعض الوفود القادمة وبعض المؤسسات الدينية الاخرى بالمناسبة، وقصائد شعرية لشعراء معروفين، وعلى الأخص الشاعر والداعية الاسلامي الحاج وليد الاعظمي، والشاعر أ.د.رشيد عبد الرحمن العبيدي وآخرين. وهما من المشاركين الدائميين في مثل هذه المناسبات الدينية. وقبل أن تبدأ المنقبة. حان الوقت كما يبدو لمغادرة  نائب رئيس الجمهورية المرحوم حردان عبد الغفارالتكريتي للإحتفال..! وبعد مغادرته، أحسَّ الاعظميون بقارئهم الكبير محمد القبانجي وقد أصابه الامتعاض من مغادرة المرحوم حردان والمنقبة النبوية الشريفة لم تبدأ بعد، فعملوا بصورة عفوية وتلقائية على التعويض وامتصاص الحالة التي أحسَّ بها استاذنا القبانجي. فاستمعوا إليه بشغف بالغ، واستمتاع ما بعده استمتاع، وودعوه بعد إكمال المنقبة وإختتام الاحتفال أعظم توديع، من منصة القراءة حتى السيارة التي كانت واقفة تنتظره على بعد أكثر من مئة متر. وقد زُفَّ القبانجي الى سيارته من خلال جماهيره بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً..! وكنت أنا في كل هذه التظاهرة الكثيفة، قريباً جداً منه، وفي لحظة من اللحظات سمعته يستغيث وسط ضغوط الجماهير ويقول، إخواني أرجوكم دعوني أتنفس أكاد أختنق، إعطوني مجالاً، أشكركم، أشكركم، أشكركم.

 

       والصورتان الموجودة أعلاه ، نادرة ولم يسبق أن نشرتها من قبل ..! وهي تبيـِّن بصورة واضحة مدى الحشد الجماهيري من أبناء الاعظمية حول فنانهم العظيم محمد القبانجي. في ذلك اليوم التاريخي 16 /5 /1970. 

 

         مما أتذكره في هذه الاحتفالية الدينية في ذكرى المولد النبوي، التي تـُمسي الاعظمية فيها عروساً فـَرِحة ً مستبشرة ً محبة ً لله ودينه الحنيف. وأنا شابٌ يافع واقف وسط الحشد الجماهيري المعتاد في مثل هذه الاحتفالات. حيث كنت قرب شخص معروف في الاعظمية بكنيته(جعفر الخابور) الذي عُرف بعمله في بيع وشراء الزوالي(السجاد). وفي هذه اللحظات التي لم ولن تــُنسى أبداً، كان استاذنا القبانجي يؤدي مع الملا بدر الاعظمي فقرة المنقبة النبوية الشريفة، وكان الدور له في الاداء، وفي لحظة من هذه اللحظات أدرتُ وجهي مصادفة الى يساري حيث يجلس المرحوم جعفر الخابور، واذا بي أراه يبكي وهو يستمع الى ملهم الجميع محمد القبانجي، وبصوت شبه مسموع..! لحظات أدهشتني كثيراً..! لكنها أثارت إنتباهي وإعجابي بنفس الوقت، كيف يبكي رجل بصورة علنية وهو في السبعين من عمره تقريباً او تجاوز ذلك..!؟ لم أشاهد ذلك من قبل..! إنها لحظات خالدة، يعبر فيها القبانجي في حقيقة الامر، عن تجربة كل إنسان عراقي، عن تجربة العراق كله، عن تجربة التاريخ التراجيدي(المأساوي) لهذا البلد المظلوم..! هكذا هي تعابير الغناء المقامي، حزن مهذب، عتب مؤدب، شكوى تأملية، أخلاق سامية، رجولة اخلاقية، عنفوان، إستنكار، إحتجاج على كل الاقوام التي حكمت العراق على مدى تاريخ الفترة المظلمة التي مرَّ بها العراق بعد سقوط العباسيين (656هـ 1258م). الذين أشاعوا الظلم والفساد في هذا البلد العظيم، بلد الحضارات الانسانية العظيمة، وخلّفوا كل هذه التراجيدياالعميقة في نفوس كل العراقيين.

 

ومن وقتها ، أدركتُ أن بكاء الرجال ليس عيباً ..!

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

 

صورة 1/ صورتان نادرتان أنشرها لأول مرَّة ، بعد مرور اكثر من خمسين عاماً على ذكراها. في ذكرى مولد الرسول محمد ابن عبد الله(ص) القبانجي وسط جماهيره المُحبة في الاعظمية بعد الانتهاء من الاحتفال النبوي الشريف في يوم السبت 16 /5 /1970. ويظهر حسين الاعظمي في يسار الصورتين.

 

 

صورة 2/ في ذكرى مولد الرسول محمد ابن عبد الله (ص) القبانجي وسط جماهيره المُحبة في الاعظمية بعد الانتهاء من الاحتفال النبوي الشريف في يوم السبت 16 /5 /1970

 

صورة 3/ نائب رئيس الجمهورية الفريق الطيار حردان عبد الغفار

التكريتي عند حضوره احتفال المولد النبوي الشريف 16 /5 /1970

 

منذ مراحل حياتي المبكرة الاولى، ومنذ نعومة اظفاري ووعي النسبي بالحياة. كنت فيها مهووسا، بل مجنونا بموسيقى وغناء المقام العراقي رغم حداثة عمري، ولعل استاذنا محمد القبانجي رمز المقاميين العراقيين كان في مقدمة اهوائي وسماعي لمقاماته التي كنت اقتنيها واتلذذ بسماعها ليلا ونهارا دون كلل او ملل..! وعليه كان حلمي الكبير ان اراه او التقيه يوما..!

كان ذلك عند زيارة رمز المقاميين العراقيين واستاذهم محمد القبانجي الى المعهد للاطلاع على القابليات الفنية المقامية الموجودة من طلبة المعهد، ففي هذه الزيارة التي رافقه فيها مجموعة من مغني المقام العراقي، إستمع الاستاذ القبانجي إلى ثلاثة من طلبة المعهد وهم حسين الوردي والمرحوم جودت عبد الستار والمرحوم صلاح عبد الغفور، حتى نودي عليّ للمثول أمام مطرب العصور المقامية محمد القبانجي كي أغني له ما أملكه من فطرة غنائية وما إستفدتُه وتعلمته في المعهد. وحينها غنيتُ أمامه مقاماً رئيساً وكبيراً، فكان مقام الحجاز ديوان، فأثرتُ إنتباهه وشجونه كما يبدو، الامر الذي أدى إلى أن يقاطعني ويتحدث معي عن قطعة القزاز (جنسها وسلّمها بيات) التي وصلتها في الغناء، موضحاً وناصحاً أن أغنيها بأكثر من بيت من الشعر، وأن أشبعها من التعبير وقال أيضاً، أنه في إسطوانته لهذا المقام، غناها بثلاثة أبيات من الشعر، لأنها جميلة وتتحمل بعض التكرار، ثم واصلتُ غناء مقام الحجاز ديوان حتى نهايته.

       في هذه الليلة التي لم ولن تنسى، حيث أوصى الاستاذ القبانجي بيَ خيراً، موجهاً كلامه الى مدير المعهد زمنذاك الاستاذ الدكتور صبحي انور رشيد رحمه الله. وباقي المدرسين وقال كلمته الشهيرة (إن الطالب حسين أمل المستقبل في غناء المقام العراقي، فعليكم الاهتمام به وإعداده جيداً في العلم والمعرفة الموسيقية والمقامية) وبعد أيام قليلة نشرت جريدة الثورة كبرى صحف العراق، صورة تاريخية تجمعني باستاذ الاجيال وهو يستمع الى مقام الحجاز ديوان الذي غنيته له في تلك الليلة الليلاء، مع حديث عن مديحه لي ووصيته للمدير والاساتذة للاهتمام بقابلياتي الغنائية. ومن هذه الزيارة وما نشرته جريدة الثورة من صورة وحديث، إنتشر اسمي بين الاوساط الجماهيرية بسرعة فائقة كالنار في الهشيم.