
الاستقرار الإستراتيجي البنّاء
أسامة خليفة
كاتب فلسطيني
في القمة التي جرت يومي 14- 15 أيار/ مايو 2026 بين الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأميركي دونالد ترامب، تناولت القمة عدة ملفات، وأهمها «الملف الإيراني، والتجارة، وتايوان». عاد الرئيس الأميركي دون الحصول على مساعدة من بكين لفتح مضيق هرمز، ودون تحقيق إنجازات كبيرة في مجال التجارة، وبخلافات حول جزيرة تايوان. وحذّر شي جين بينغ دونالد ترامب من نشوب صراع بين بلديهما إذا أسيء التعامل مع قضية تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وقال شي إن «قضية تايوان هي أهم قضية في العلاقات الصينية-الأميركية.. وإذا تم التعامل معها بشكل خاطئ، قد يتصادم البلدان أو حتى يدخلان في صراع». حين أثارت بكين الموضوع، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن «السياسة الأميركية بشأن قضية تايوان لم تتغير»، وأشار ترامب إلى أنّه لم يتخذ قراراً بعد بشأن بيع الأسلحة لتايوان التي أكدت شكرها واشنطن على تأكيدها الدعم المتكرر لها.
مع ذلك برز في هذه القمة مصطلح «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»، الذي يحدد اتجاهات العلاقات الثنائية الصينية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، يؤمل أن يدفع العلاقات بينهما نحو مستقبل مزدهر. وفُسر أن المقصود بالمصطلح إدارة العلاقات بين القوى العظمى بطريقة تمنع التوتر، والأزمات الدولية، والصدام وخرق الأمن الدولي، وبالتالي يتحقق الاستقرار الدولي بتوازن القوة العسكرية والاقتصادية بين الدول الكبرى، فهل جاءت زيارة الرئيس الروسي بوتين للصين يومي 19 و20 أيار/ مايو الحالي بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، بعد زيارة ترمب بأيام قليلة لينضم إلى هذا الاستقرار البنّاء؟. أم لبحث سبل تعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الإستراتيجي بين البلدين؟. وبعد هاتين القمتين، هل نشهد تحولات متسارعة في النظام العالمي؟. وقد جرى الحديث أن بكين تعتبر موسكو شريكاً أساسياً في صياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب. يتحقق فيه الاستقرار من خلال توازن قوتين، أو تحالفين يضما بضعة دول على نمط حلف وارسو يقابله حلف الأطلسي، يمتلك الطرفان المتعاديان قدرات عسكرية متكافئة في مقدمتها السلاح النووي بما يضمن الردع النووي المتبادل الذي يبعد أي احتمال لاندلاع صدام مباشر، لأن أي حرب بينهما ستؤدي إلى دمار هائل وشامل لا يهدّد الدول المشاركة بالحرب فقط، بل يهدد الحياة البشرية على هذا الكوكب. وهو أمر خطر للغاية يتطلب تفعيل دور منظمات الأمم المتحدة للحد من النزاعات ووضع قوانين ملزمة،وإلغاء سياسة الكيل بمكيالين، وضمان محاسبة جميع الدول المعتدية بغض النظر عن قوتها ونفوذها. وتعديل هيكلية مجلس الأمن لتمثيل أكثر توازناً، والحد من إساءة استخدام حق النقض الفيتو لحماية مصالح ضيقة. ورفض ازدواجية المعايير، والكيل بمكيالين التي تقوض أسس السلام العالمي عبر إضعاف مصداقية القانون الدولي، هذه السياسات تسبب الشعور بالظلم والإحباط لدى الشعوب المستضعفة، وتؤدي إلىتقويض المؤسسات الأممية، باعتبارها أدوات لخدمة مصالح القوى الكبرى بدلاً من تحقيق العدالة.
السؤال المطروح فيما لو استثنينا الدول الضعيفة باعتبار خاطئ أن لا تأثير لها على السلام العالمي، أليس للدول الإقليمية دور في الاستقرار الدولي أو في زعزعة الأمن الإقليمي، وبالتالي زعزعة الأمن الدولي؟. بمعنى آخر، لماذا يتعلق هذا الاستقرار البنّاء بالقوى العظمى فقط؟. ونحن نشاهد دولاً إقليمية تندفع إلى تبني منطق القوة والدخول في سباق تسلح لتغيير موازين القوى، مما يزيد من احتمالات الصراع، حيث نشهد محاور قوى إقليمية متصارعة، كما يحدث في الشرق الأوسط، حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، وإقامة إسرائيل الكبرى، والسيطرة على الإقليم عسكرياً واقتصادياً.
من تجارب المراحل السابقة من حروب وتوتر نستخلص أن الاستقرار يكمن في احترام القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحل القضايا الخلافية المستحكمة سلمياً وأهمها القضية الفلسطينية، وأضيف إليها القضية الإيرانية كقضية ساخنة بسبب الرعونة والعدوانية الأميركية، وبهذا الشكل قد يطرأ مستقبلاً خلافات واضطرابات تتطور إلى أبعد مما نتصور إذا لم يلتزم الجميع بقرارات الأمم المتحدة، فالاستقرار يعني قدرة النظام الدولي على إدارة النزاعات بالطرق الدبلوماسية والقانونية بما ينظم العلاقات بين الدول ويحفظ النظام الدولي. وإلا سيؤدي الأمر إلى الفوضى واندلاع حروب مدمرة، الاستقرار يعني التوقف عن التقلب إنه يدل على الدوام والمواظبة والثبات والاتزان والاستمرار على نفس المنوال، والاستقرار البنّاء يعني وجود نظام عالمي متوازن يشيع الاطمئنان، ويبعد القلق والتوتر عن العلاقات الدولية، وعلى الأقل يجعلها تخلو من التفاعلات العدائية بين الدول إذا لم تقم على علاقات التعاون والصداقة والمنفعة المتبادلة.
يتطلب تحقيق السلام العالمي إصلاحاً جذرياً للنظام الدولي وتطبيق القوانين بعدالة ودون انتقائية. لا أحد مستثنى من ضرورة تطبيق القانون الدولي مهما بلغت قوته العسكرية والاقتصادية، لا يمكن بناء سلام دائم يقوم على القوة العسكرية، وخرق القوانين الدوليةـ وشن الحروب خارج الشرعية الدولية وافتعال الاضطرابات والحروب التجارية، والأزمات الاقتصادية العالمية، وتوليد الاضطرابات السياسية، وسيادة شريعة الغاب. شهد العالم السياسة الأميركية المتقلبة في زمن القطبية الأحادية والسيطرة المطلقة للولايات المتحدة، والحروب المدمرة التي قادتها واشنطن لمزيد من السيطرة، فقد فشلت الرؤية أن النظام الدولي لا يستقر إلا بوجود قوة عظمى واحدة مهيمنة يُفترض بها أن تفرض قواعد النظام وتحمي الأمن، وبدلاً من ذلك أصبح حاميها حراميها. لا يمكن تصوّر استقرار النظام الدولي وبقاءه ثابتاً عندما تكون الدولة المسيطرة غير عادلة تقود العالم وتتحكم بالقواعد والاتفاقيات المتعلقة بالعلاقات السياسية والاقتصادية الدولية من خلال دبلوماسية العقوبات الاقتصادية والتهديد بشن الحروب المدمرة.لقد فشلت نظرية الاستقرار في ظل الهيمنة الأحادية إذ حوّلت العولمة والأمركة الولايات المتحدة إلى استعمار جديد يهدد هوية الشعوب وثقافتها عبر العولمة والأمركة وهيمنة الشركات الأميركية العابرة للقارات، وبدلاً من نشر العدالة طرحت واشنطن نشر الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط.
من التجارب السابقة، وعلى عكس واشنطن تتمتع الدبلوماسية الصينية بالمصداقية في استعدادها وسعيها للعملمن أجل الاستقرار البنّاء وتقديم النفع لعلاقات دولية متوازنة. ولا يمكن لمصطلح «الاستقرار الإستراتيجي البنّاء» أن يبقى مجرّد شعار وأقوال، وقد قال ترامب لشي جين بينغ «أنا وأنت نعرف بعضنا منذ وقت طويل.. كانت لدينا علاقة رائعة، وكلما واجهتنا مشكلة كنا نحلّها بسرعة كبيرة. وسيكون لدينا مستقبل رائع معاً، لدي احترام كبير للصين وللعمل الذي قمت به، أنت قائد عظيم». والسؤال بعد هذه العبارات الجميلة التي تفوح منها رائحة النفاق: أين أصبح مصطلح «المنافسة الاستراتيجية»؟. والذي فرضه دونالد ترامب على الصين في فترة ولايته الأولى، ولم يلغه الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، رغم أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي في 22 فبراير 2021، دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى رفع القيود المتعددة، ورفع العقوبات المفروضة على التجارة، ووقف التدخل في الشؤون الداخلية للصين، وكان شعار «المنافسة الاستراتيجية» قد نفذه ترامب ضد الصين في ولايته الثانية أيضاً.
هل يمكن حقيقة تحويل التنافس الدولي من صراع ومواجهات عسكرية أو اقتصادية إلى حالة من الاستقرار الإيجابي القائم على التعاون النشط؟. بعد هذه الزيارة التي وصفت بالتاريخية، هل يقوم ترامب بخطوات عملية لتجاوز شعاراته القديمة الجديدة ويستبدلها بشعار مستجد يحقق التعاون القائم على المنفعة المتبادلة وليس «أميركا أولاً»؟.
أكد الرئيس شي جين بينغ على أن هذه الأسئلة الملحّة، يطرحها التاريخ والعالم والشعوب. وأنها تمثل ورقة اختبار يتعين على قادة القوى الكبرى الإجابة عنها معاً.
طرح الرئيس شي جين بينغ ثلاثة أسئلة جوهرية بشأن العلاقات الصينية الأمريكية: هل يمكن للصين والولايات المتحدة تجاوز «فخ ثوسيديدس»، وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى؟ وهل يمكنهما العمل معا لمواجهة التحديات العالمية وإضفاء مزيد من الاستقرار على العالم؟ وهل يمكنهما، أن يصنعا معاً مستقبلاً مشرقاً للعلاقات الثنائية، خدمة لرفاه شعبيهما ومستقبل البشرية؟. وأوضح الرئيس شي جين بينغ أن «الاستقرار الإستراتيجي البنّاء» يجب أن يقوم على الاستقرار النشط القائم على التعاون، والاستقرار الحميد القائم على التنافس المنضبط، والاستقرار الطبيعي القائم على قابلية التحكّم في الخلافات، والاستقرار الدائم القائم على التطلع نحو السلام.
