
«أنا لا أثق إلا بنفسي»- سيرة يقينٍ تعلّم الحذر
رانية مرجية
لا تُقال هذه الجملة كحكمة، بل كأثرٍ متبقٍ من تجربةٍ لم تُروَ كاملة.
تخرج بهدوء، كأنها لا تريد أن تُعلن موقفًا بقدر ما تريد أن تُخفي ارتجافًا قديمًا تعلّم كيف يختبئ خلف الصلابة.
“أنا لا أثق إلا بنفسي”…
ليست إعلان قوة، بل شكلٌ متأخر من النجاة.
نجاةٌ لم تعد تتذكر شكل الخطر، لكنها ما زالت تتصرف كما لو أنه قريب.
في ظاهرها، تبدو الجملة كجدارٍ واضح:
إنسان قرر أن يغلق المنافذ، أن يُعيد ترتيب العالم بحيث لا يمرّ منه أحد إلا بعد اختبارٍ طويل.
لكن في باطنها، هناك شيء أعمق وأهدأ: ذاكرةٌ تعلّمت أن الاقتراب قد يكلّف أكثر مما يحتمل القلب.
هكذا لا تتحول الثقة إلى موقف، بل إلى نظام حماية داخلي.
لا يُبنى بالعقل وحده، بل بما يتراكم في الأعصاب من خيباتٍ صغيرة، لا تُنسى لأنها لم تُعالج، بل فقط تم تجاوزها بالقوة.
ومع الوقت، لا يعود الإنسان يرفض الآخرين، بل يرفض إعادة التجربة نفسها بصيغٍ مختلفة.
فيبدأ بتقليص العالم، لا لأنه ضيّق، بل لأنه يريد أن يقلّل احتمالات الانكسار.
لكن المفارقة أن هذا الانكماش، حين يُطيل الإقامة في النفس، لا يصنع قوة صافية، بل يصنع صمتًا مُحكمًا يشبه الأمان، لكنه يُعيد تشكيل الحياة على مقياس واحد فقط: مقياس الفرد.
فلسفيًا، يمكن فهم هذه الجملة كبحثٍ عن نقطة ثابتة في عالمٍ متحرك،
لكن نفسيًا، هي غالبًا بحثٌ عن عدم التكرار: أن لا يعود الألم بوجهٍ جديد يحمل الاسم نفسه.
هنا تصبح “النفس” ليست ذاتًا فقط، بل وطنًا صغيرًا مغلقًا، يُفتح بصعوبة، ويُغلق بسرعة، ويُدار بحذرٍ دائم. وكلما زاد الاعتماد عليه، زادت صلابته… وزاد وحده في الوقت نفسه.
لكن الثقة بالنفس، حين تنضج، لا تُقصي العالم. بل تعيد تعريفه:
لا أحد يُختزل إلى خطرٍ كامل، ولا إلى أمانٍ كامل. بل إلى احتمالٍ يمكن التعامل معه دون فقدان الذات.
أما حين تتحول الجملة إلى قانونٍ مطلق،
“أنا وحدي مرجعي”…
فهي لا تُنتج استقلالًا بقدر ما تُنتج عزلةً دقيقة، متقنة، لا تبدو مؤلمة إلا حين تُقاس بالفراغ الذي تتركه.
وربما الحكمة ليست في كسر هذه الجملة ولا في تقديسها، بل في فهم اللحظة التي وُلدت فيها:
لحظة اختلط فيها الألم بالحذر، والحذر بالرغبة في البقاء.
لأن الإنسان لا يقول “أنا لا أثق إلا بنفسي” لأنه اكتشف الحقيقة، بل لأنه مرّ بما يكفي ليجعل الثقة خيارًا ثقيلًا، لا بديهيًا.
وفي النهاية، لا تبقى هذه الجملة حكمًا، بل تتحول إلى علامةٍ على طريقٍ طويل بين ما خُذلنا فيه، وما تعلمنا أن نحميه داخلنا.
ويبقى السؤال، ليس لإدانتها، بل لفهمها:
هل صارت النفس وطنًا… أم سجنًا ببابٍ واحدٍ نملكه نحن فقط؟
رانية مرجية
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
