للذهاب الى صفحة الكاتب   

حين تصبح الثانية أطول: الجاذبية وانحناء الزمن!

د. ادم عربي

 

في نظرية إسحاق نيوتن عن الجاذبية لا نجد أي حديث عن علاقة بين الجاذبية والزمن. فقد كان نيوتن يتصور الجاذبية على أنها قوة خفية تؤثر عن بُعد، من دون أن يكون للزمن دور في تفسيرها أو في طبيعتها.

 

أما الربط العميق بين الجاذبية والزمن فقد ظهر مع ألبرت آينشتاين في نظريته النسبية العامة، حيث لم تعد الجاذبية مجرد قوة، بل أصبحت تعبيرا عن انحناء الزمكان. فالزمن، بحسب هذه النظرية، ليس شيئآ منفصلا عن المكان، بل هو البعد الرابع المتحد مع الأبعاد المكانية الثلاثة في كيان واحد يُعرف بالزمكان.

 

ومن أهم النتائج التي قدمتها النسبية العامة أن الزمن لا يسير بالمعدل نفسه في كل مكان، بل يتباطأ كلما ازدادت شدة الجاذبية. فالساعات الموجودة في مناطق ذات جاذبية قوية تتحرك ببطء مقارنة بالساعات الموجودة في مناطق أضعف جاذبية.

ولهذا السبب يكون الزمن على سطح الأرض أبطأ قليلا من الزمن على قمة إفرست، لأن القمة أبعد عن مركز الأرض حيث تتركز الجاذبية. وكذلك فإن الزمن على سطح القمر أسرع منه على الأرض، بينما يكون أبطأ على كوكب مثل المشتري بسبب كتلته الهائلة وجاذبيته الأقوى.

 

غير أن سوء فهم هذه الفكرة دفع بعض الناس إلى الاعتقاد بأن الزمن يمكن أن يتوقف تمامآ في الأماكن ذات الجاذبية الهائلة، مثل الثقوب السوداء. والحقيقة أن الأمر أكثر تعقيدا من هذا التصور المبسط.

لفهم المسألة يجب التمييز بين ثلاثة أشياء: الحدث، والزمن، والساعة.

فالساعة لا تتباطأ من تلقاء نفسها، وإنما لأنها تقيس زمنا أصبح أبطأ. والزمن لا يصبح أبطأ إلا لأن الأحداث ذاتها تجري بوتيرة أبطأ.

 

لنتخيل أن لك توأما انتقل فجأة إلى كوكب تفوق جاذبيته جاذبية الأرض بمئات المرات، بينما بقيت أنت على الأرض تراقبه من بعيد. لو استطعت رؤية ساعته، فستلاحظ أن عقرب الدقائق فيها يتحرك ببطء شديد مقارنة بساعتك. فقد تمر خمس دقائق عندك بينما لا تمر عنده سوى دقيقة واحدة.

وهذا لا يعني أن ساعته معطلة، بل إن الزمن نفسه هناك يسير ببطء أكبر.

والأمر لا يقتصر على الساعات الميكانيكية، بل يشمل كل شيء. فنبضات قلبه نفسها ستتباطأ، وحركته وكلامه وكل العمليات الحيوية عنده ستبدو أبطأ بالنسبة إليك. فإذا كان قلبه ينبض سبعين نبضة في الدقيقة على الأرض، فقد تراه الآن ينبض بالمعدل نفسه لكن خلال فترة أطول كثيرا بحسب توقيتك أنت ، ربما خمس نبضات في الدقيقة.

وهنا تظهر فكرة تمدد الزمن أو تمدد الزمن، أي أن الفاصل الزمني بين حدثين يصبح أطول عند مراقب خارجي.

 

في النسبية العامة يرتبط هذا التباطؤ بما يسميه آينشتاين انحناء الزمكان. فالجاذبية لا تُجبر الأجسام على الحركة عبر قوة خفية كما تصور نيوتن، بل تجعل الزمكان نفسه منحنياً. وكلما ازداد الانحناء تباطأ الزمن أكثر.

 

يمكن تبسيط الفكرة بتشبيه هندسي: لو كان الخط المستقيم بين نقطتين يمثل دقيقة زمنية، فإن انحناء هذا الخط يجعل المسافة أطول. وبالمثل، فإن "الثانية" داخل مجال جاذبية قوي تصبح أطول مقارنة بثانية مراقب بعيد عن ذلك المجال.

ولهذا لا يمكن الفصل بين انحناء المكان وتباطؤ الزمن؛ فهما وجهان لظاهرة واحدة.

 

ولو انتقل التوأم إلى كوكب أشد جاذبية، فإن التأثير سيصبح أعظم. فقد تبدو وجبة الإفطار التي يتناولها خلال ربع ساعة، بحسب ساعته هو، وكأنها استغرقت ساعات طويلة بحسب ساعتك أنت. ولو بقي هناك سنوات قليلة ثم عاد إلى الأرض، فقد يكتشف أن عقودا طويلة مرت عليك بينما لم يمر عليه إلا زمن قصير نسبيا .

 

ومن هنا جاءت فكرة أن السفر في الفضاء هو أيضآ  سفر في الزمن. فكل انتقال إلى منطقة تختلف فيها شدة الجاذبية يعني الانتقال إلى نظام زمني مختلف.

والأمر يصبح أكثر غرابة قرب الثقب الأسود، حيث تبلغ الجاذبية حدا هائلا

. فالمراقب البعيد يرى الزمن عند الشخص الساقط نحو الثقب الأسود يتباطأ أكثر فأكثر حتى يبدو وكأنه توقف تماما قرب أفق الحدث. لكن الشخص الساقط نفسه لا يشعر بأن الزمن توقف عنده، بل يراه يسير بصورة طبيعية وفق ساعته الخاصة.

إذن، “توقف الزمن” ليس حقيقة مطلقة، بل ظاهرة نسبية تعتمد على موقع المراقب ومرجعه الزمني. فما يبدو متوقفا لشخص قد يبدو طبيعيا لشخص آخر.

ولهذا غيّرت النسبية العامة الطريقة التي ننظر بها إلى الزمن. فلم يعد السؤال الأساسي: هل الزمن مطلق أم نسبي؟ بل أصبح: هل الزمن شيء موضوعي قائم في العالم الخارجي، أم أن إدراكنا له يعتمد على موقعنا وحركتنا داخل الزمكان؟

ومهما تعددت الإجابات الفلسفية، فإن العلم الحديث يؤكد أن الزمن ليس كيانا ثابتا منفصلا عن الكون، بل جزء من البنية نفسها التي يعيش فيها الإنسان ويتحرك داخلها.