للذهاب الى صفحة الكاتبة   

نسمة عبد العزيز وذاكرة البدء....

خديجة جعفر

 

 

للزمن متعته في الركض سريعا، موجعا، يترك بصمته، بثأر من لا يملك صوته  لاعلان الحضور في عالم شكل الصوت فيه بداية لرحلة الوعي الإنساني وتميزه عن باقي الكائنات.

 

  لقد شكل الصوت، اللحن، اول أشكال التعبير الانفعالي الانساني الابعد عن المحسوس وتلبية ذاتية لحاجة الاحتماء، حيث أن التنبه للصوت نغما، أسبق من نطقه، لتتعدد وظأئفه الصوتية لاحقا الى التواصل فطقوس صلاة وعبادة. فالانسان الملتحم مع الطبيعة آنذاك، والمستأنس بها، له من اكتشاف الصوت علاقة مباشرة مع متع الاصغاء، لفته صوت احتكاك الورق من الاشجار، هطول المطر، اخافه صوت الرعد، لاعب الأحجار لاختراق الصمت، حتى حك الخشب فأنتج أنغاما هارمونية، ليرسم مع قرع الطبول الشكل الأولي لعلاقته مع الالهة المخترعة حينها، صلوات وطاعة، مزاوجا بين عمق الرجاء من الصوت وطاعة الجسد رقصا انتاح ضجيج، طمعا بالحماية..

فإن يكن الخشب أقدم مصادر الإيقاع، ما الذي يدفع المشتغلة في عالم الموسيقى اليوم "نسمة عبد العزيز"، الدخول في مشهدية تتأرجح بين الانوثة المعترضة على القبول وهي تتدخل في عالم التطوير للالات الايقاعية وانماط العزف المغايرة، وبين الالتزام  بالنظام ما يُقره ويُلزِم به عالم الألحان والموسيقى؟؟

 

  لا تظهر العصا مع نسمة لوظائف الحماية او التأديب او الاعتداء، ولا لإشارات التوقف، بل انها عصا للانسياب، للتدفق، للتهذيب، أنها عصا لإعادة التصويب من وظائف السمع.

 

نسمة تضرب، لكنه ضربا منتجا لسحر النغم، تتلوى جسدا لتضرب أعمق بل واقوى، فتستعيد وهي خلف آلة الماريمبا، صلاة الطاعة من الإنسان الأول، انسان ما قبل التأديب والتهذيب، الإنسان الذي احتمي بالصوت، فتحتمي نسمة بالعصي والعيدان الخشبية نقرا ايقاعيا.. حين تمسك نسمة عصاها، تنظر اليها بطقس خشوع قبل البدء عزفا، لكأنها تستدعي شيئًا قديمًا جدًا في الإنسان، شيئا أقدم من الكلام نفسه، فتنسيك منطق الإنتاج من الآلات، تحيلك إلى الإنسان الذي يوظف الآلات لخدمة الهدف، لاكتشاف الايقاع من خلال ما يحيطه. ليست اصابعها وحدها التي تمارس فعل الضرب، بل كامل جسدها يهجم ويتراجع، تحاكي وقار الخشب بالجدية المستحقة. وهي تقرع الطبول، تعيدنا حضورا  مسافرا عبر  الزمن، نحو البدائية البكر، احتفال من جملة أصوات قبلية في طقس يعبر الحرب نحو الخشوع والعبادة، ازمنة سابقة للوعي الحضري يسطو النقر فيها على التفكير ليحقق الخدر من جرعة أصوات مستعيدا حس الفطرة، أو يقظة تللك الذاكرة النائمة في اعماقنا، أصوات عميقة الصدى، واضحة التردد، دقيقة الضبط ، بلا نطق، ليتحول مسرح الأوبرا المصرية حينها إلى غابة بدائية، خفيفة الاضاءة، تصارع شوائب العصرنة الاستهلاكية من بوابة إيقاع العزف على براميل الحديد والخشب وآلة الماريمبا مع جوقة مرافقين مهرة من العازفين الأخر، والذين رغم حداثة تقنيات عزفهم، يشكلون لوحة تؤكد حضور الجماعة تنوعا على الفرد، لتُفتَتَح بوابة العبور إلى عالم الإنسان الأول ببراءة ضعفه وخوفه، فندرك أن العصا الخشبية مع نسمة اعترافا صارخا بمذكر لا يُؤذِي، ومؤنثا لن يؤذَى، عالم إنساني موحد الجندر  يستمتع بصوت الخشب فيسمو صمتا، يستعيد خلقه الأول، غارقا في هارمونية ترددات من الطبيعة الأقوى ابدا، عالم الإنسان الحاضر بجهوزية مَن يحمل بداخله المعرفة الأقدم من اللغة، لغة النغم من الاصوات.

 

كجزء من حضور، تستعيد شيئًا قديمًا جدًا فيك، شيئًا غريزيًا، سابقًا للمدن والكتب، تستعيد علاقتك الأولى بالأشياء قبل تحويلها إلى أدوات، تستعيد عوالم اليد الممدودة، توليفة الاجساد للرقص صلاة، حالة أقدم من الفردانية وما اخفته منا الحضارة والعقلانية بحسب ما عبرت عنه تفسيرات هايدغر ونيتشيه.

 

ولان الموسيقى خرجت من: نسيج تماذج بين طبيعة وجماعة ومن طقس سلام بين تعبد وحرب، ولأن الحنين الإنساني ابدا للذاكرة البكر، ولاننا نحمل بذور تلك المعرفة البدائية النائمة فينا ونترجمها تمايلات حركية مع أول الايقاعات، فإنا نفهم الموسيقى روحا جماعية، غنية بتعدديتها وانسجام تنوعها، وسيبقى حيا فينا صوت الخشب وهو يقرع  الطبول، لغة تواصل فطرية، ساكنة طيعة، طقس من صمت، لغة تخاطب آلهة الحماية..

 

٢٤ /٥ /٢٠٢٦

خديجة جعفر .