
يوميات حسين الاعظمي (1447)
وليد جنبلاط
في آب August من عام 1997. وصلتُ الى الاردن للمشاركة في مهرجان الفحيص الثامن وكانت حفلتي يوم 17 /8 /1997 شرفني بحضورها أستاذنا الراحل منير بشير، وقد بادرت بالترحيب به قبل ان نبدا فقرات منهاج الحفلة، وفي نهايتها اناطت إدارة المهرجان بشخص مدير المهرجان السيد أيمن سماوي، بالموسيقار منير بشير لتسليمي شهادة ودرع المهرجان، وكانت لحظات مؤثرة وسط تصفيق الجماهير المحتشدة من أردنيين وعراقيين. وإلتقطت لنا بعض الصور على المسرح، وفي غرفة تبديل الملابس عندما جاء استاذنا الراحل منير بشير ليهنئنا جميعاً بنجاح الحفلة، والتقطنا بعض الصور للذكرى، لم يدر بخلدنا أن هذه الصور هي آخر الصور التي تجمعنا به الى الابد.
بعد يومين، اي في 19 8 /1997 غادرت الاردن مع أعضاء فرقتي الموسيقية الى بيروت، وقد تم إستقبالنا بحفاوة بالغة من قبل إدارة مهرجان بيت الدين، وأنزلونا في فندق جميل للغاية يقع في قمة جبل بالشوف، يبعد عن وسط العاصمة بـ 45 كم تقريبا.
والحديث عن كل التفصيلات يطول عن الايام السبعة الجميلة التي قضيناها بين ظهراني أخواتنا واخواننا اللبنانيين، ولكن يمكن الاشارة الى أن السيدة نورة جنبلاط وزميلاتها في اللجنة التنفيذية للمهرجان على درجة كبيرة من الرقي والادب والضيافة وسوف لن ننسى موقفهنَّ هذا. وفقهنَّ الله كل التوفيق فقد كنَّ على مستوى عال من الكرم والتعامل الحضاري.
في حلقة من حلقات هذه السلسة من حكايات ذاكرة صورية، والعنوان الداخلي (حكاية هذه الصورة) كنتُ قد تحدثت عن جانب من مشاركتي في المهرجان الكبير(مهرجانات بيت الدين) في لبنان، الذي يقام في قصر بيت الدين التاريخي والذي تم بناؤه في القرن التاسع عشر في الارض الجبلية بالشوف. وكان حديثي في تلك الحلقة عن السيدة نورة جنبلاط رئيسة هذه المهرجانات الفخمة.
اقمتُ حفلتين متتاليتين في هذا المهرجان الكبير، يومي 20 و 21 / آب 1997 في قاعة بيت الحريم التاريخي. الموسيقيون الاساتذة سامي عبد الاحد ضارب الايقاع الشهير على آلة(الطبلة، الدربوكة)، وفاضل السعدي ضارب الايقاع على آلة(الرق، الدف)، ووسام أيوب العزاوي عازف على آلة السنطور، ورافد عبد اللطيف عازف على آلة الجوزة، وأخيراً عازف آلة العود علي الامام. وبمشاركتي في مهرجان بيت الدين العالمي، يكون الموسيقار الراحل منير بشير قد قدم لي آخر أفضاله، حيث كانت زيارتي له في بيته بعمـَّان في الايام الأخيرة من شهر أيلول September يوم 21 /9 /1997 وهو الاسبوع الاخير من حياته أيضاً قبل سفره بأيام قليلة الى هنكاريا، وهي المرَّة الاخيرة التي اشاهده فيها، حيث توفي في بودابست العاصمة الهنكارية يوم 28 /9 /1997. ولو لا قدرُ الله العلي القدير بوفاته في هذا الوقت، لكنتُ قد بدأتُ مرحلة جديدة من النشاطات الفنية والتجوال حول العالم مشابهة للمرحلة التي بدأناها في السبعينيات من القرن الماضي..! لأنه وعدني في زيارتي الاخيرة هذه له بعمـَّان، بأن لي دعوات فنية جديدة ستكون في مهرجان بعلبك بلبنان ومهرجانات اخرى في تركيا واليونان وهنكاريا والمكسيك التي ينوي السفر إليها من هنكاريا يوم 28 /9 /1997 ليقيم حفلتين في العاصمة المكسيكية يومي 30 /9 و 1 /10..! ولكن لله وحدة كلمة الفصل ولا حول ولا قوة إلا بالله حيث توفاه الله في ليلة سفره الى المكسيك.
زيارة وليد جنبلاط
في يومٍ حر من ايام وجودنا في لبنان بمهرجان بيت الدين، كان الاقتراح من قبل ادارة المهرجان زيارة السيد وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني(هامش1). في قصره المعروف بـ(قصر المختارة).
اصطحبتُ اعضاء فرقتي الموسيقية وتوجهنا بسيارة المهرجان الى دار المختارة. وهذه الدار تبدو من الابنية الجبلية القديمة في منطقة الشوف، عدة غرف وشرفة كبيرة واسعة محاطة بالمزروعات والاشجار. وصلنا الى دار المختارة وكانت الدار خالية ولا وجود لأي شخص فيها. كانت الحالة غريبة..! جلسنا في احدى الغرف ننتظر قدوم السيد وليد جنبلاط. ولكنه تأخر وبقينا وحدنا في الغرفة محرجين، ماذا نفعل..؟ ولماذا جيئ بنا الى هنا..؟ بحيث شعرنا بتورطنا بهذه الزيارة..! لانه من المفروض ان يستقبلنا السيد وليد جنبلاط منذ اول وصولنا الى قصر المختارة لاننا قاصدين زيارته وله علمٌ بهذه الزيارة..! بحيث فكرتُ للحظة من اللحظات بالعودة الى الفندق والتخلص من هذا الحرج والانتظار الغريب..! لأن الموضوع اختلف، فقد كنا نتصور استقبالاً مباشراً وتبادل احاديث منوعة ربما حتى قد يحدثنا في السياسة او غيرها، الا أنه تأخر اكثر من ربع ساعة حتى جاء لاستقبالنا..!
في كل الاحوال، اصبحنا نحن الذين استقبلناه وليس هو الذي استقبلنا..! حيث قمتُ من مكاني واعضاء الفرقة الموسيقية مرحباً به وقدمتُ له اعضاء فرقتي الموسيقية ثم جلسنا لنستمع ما يقوله السيد جنبلاط ونحن في حضرته بالمختارة. ولكن الصمت خيم على جلستنا وطال اكثر من اللازم، فقد مرَّ وقت طويل دون اي كلام من السيد وليد جنبلاط..!(عجيب امور غريب قضية). فاضطررت تفاديا للاحراج المقيت بأن وجهتُ له سؤالاً عن معرفة الاشخاص في الصور المعلقة على جدران الغرفة وهي تحيط بصورة كبيرة لوالده المرحوم كمال جنبلاط. تفاديا لاستمرار الصمت والسكون.
هنا نهض من مكانه ونهضتُ معه ثم نهض الجميع وبدأ السيد وليد يتحدث عن شخصيات الصور، بأنهم الشهداء الذين كانوا حماية للمرحوم والده كمال جنبلاط(هامش2) عندما تم اغتياله واستشهدوا معه اثناء الاغتيال. ثم بدأ رويدا رويدا يندمج مع وجودنا وانا متابع معه محاولا زيادة تفاعله معنا وكسر الصمت المتقطع غير المبرر..! حتى وصل الامر بالتالي الى ان يقودني بيده ونتمشى معاً في الشرفة الواسعة، واعضاء الفرقة الموسيقية مشغولون بالتقاط الصور الفوتغرافية، ثم شاركناهم بهذه الصور. وفي هذه الاثناء كانت السيدة نورة جنبلاط زوجة السيد وليد قد حضرت الى المختارة وشاركتنا في الصور. ثم مضيتُ انا والسيد وليد بالاحاديث المتنوعة نتمشى في واحة الشرفة الكبيرة حتى توقفنا تحت شجرة كبيرة عند باب الشرفة من الخارج وهو يحدثني. ومن الاحاديث أكد بأنه من اصل درزي كردي، واحاديث اخرى. الامر الذي اشعرني باندماجه معي واصبحنا كأننا نعرف احدنا الاخر منذ زمن بعيد..! هنا وصلتُ الى اللحظة المناسبة التي كنتُ انتظرها لأقول له وداعاً، فاستأذنته رغم انه دعاني للبقاء اكثر، إلا إنني وجدتُ التمسك بهذه اللحظات المناسبة لمغادرتنا تفاديا لأي احراج آخر..! وهكذا انهيتُ زيارتنا للسيد وليد جنبلاط شاكراً له ولزوجته زيارتنا له ولقصر المختارة ثم عدنا الى الفندق.
واقع الحال، فقد شغلتني انا وزملائي اعضاء الفرقة الموسيقية تفاصيل زيارتنا للسيد وليد جنبلاط الذي لم يستقبلنا مباشرة او لم يستقبلنا بشكل طبيعي..! ثم حالة جفائه لنا غير المبررة..! واخذنا نضرب اخماس باسداس انا وفرقتي الموسيقية ولم نصل الا الى سبب واحد يبدو هو السبب الاكثر رجحاناً من غيره..!
بالنسبة لي انا، فقد عُرف عني عدم اهتمامي بالسياسة ولا اهتم بها وباخبارها، سارحاً ليلاً ونهاراً في هموم عملي الفني اكثر من أي شيء آخر..! ولهذا السبب لم اكن اعرف أبداً ان العراق سبق ان وقف ضد السيد وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني، ومؤيدا لعدوه السيد ميشيل عون. ومن هذا المنطلق، وبما اننا جميعاً قادمين من بلدنا العراق، ولم يكن احدنا مغتربا في اي بلد آخر. فعليه يبدو انه اعتبرنا من عناصر حزب البعث العربي الاشتراكي ومن اتباع الرئيس صدام حسين..! وهذا هو سبب جفائه لنا..! ولم نصل الى اي تحليل آخر لموقف السيد وليد جنبلاط خلال زيارتنا له بالمختارة.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
1 - وليد جنبلاط: ولد في بلدة المختارة بقضاء الشوف بلبنان في 7 آب 1949. والده هو الزعيم الدرزي النائب والوزير كمال جنبلاط مؤسس ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي حتى تاريخ اغتياله، ووالدته هي مي أرسلان ابنة شكيب أرسلان أحد زعماء الدروز. درس المرحلة الابتدائية في «الكلية العلمانية الفرنسية» في بيروت حتى العام 1961، وبعام 1969 أنهى المرحلة الثانوية في الكلية الدولية في بيروت، وفي 3 يوليو 1973 نال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت. قام بتدريس مادة التاريخ في «الجامعة الوطنية» في عاليه. بتاريخ 29 أبريل 1977 انتخب رئيسًا للحزب التقدمي الاشتراكي خلفًا لوالدة وما زال يترأس الحزب. آل جنبلاط في لبنان من أصل كردي عريق، اعترف بهم العثمانيون وعينوا منهم «حسين باشا جانبولاد» حاكمًا على كلّس -حلب، وظلوا قديمًا في حلب حتى قام «علي باشا جانبولاد» وهو أحد زعمائهم بثورته التي قضى عليها العثمانيون ثم قتلوه، فلجأ بعض أفراد هذه الأسرة إلى لبنان، إلى «المعنيين» الدروز في إقليم الشوف، فتبنى مذهبهم وغدا زعيمًا لفريق منهم. اسم (جان بولاد) هو من الأسماء الشائعة كردياً ومعناه ذو الروح الفولاذية، وكثير من رجالات الدولة العثمانية وقادتها العسكريين حملوا هذا الاسم.
2 -كمال فؤاد جنبلاط: (6 ديسمبر، كانون اول 1917 / 16 مارس، آذار 1977). هو زعيم الدروز اللبنانيين ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، تولى قيادة الحركة الوطنية خلال الحرب الأهلية اللبنانية. إلى جانب ذلك، يعتبر مفكراً وفيلسوفاً وأحد الشخصيات اللبنانية المعروفة بدعمها للقضية الفلسطينية. وقد كتبت أشعار وأغاني في رثائه. خلفه في زعامته ابنه وليد جنبلاط.

صورة 1 / في قصر المختارة. حسين الاعظمي ووليد جنبلاط.

صورة 2 / حسين الاعظمي يتوسط اعضاء فرقته الموسيقية(فرقة الجالغي البغدادي) في قاعة الحريم وفي اول حفلة بمهرجان بيت الدين يوم 20 /8 /1997. من اليمين سامي عبد الاحد وفاضل السعدي ووسام العزاوي ورافد عبد اللطيف وعلي الامام
صورة 3 / من الامسية الاولى في مهرجان بيت الدين، فاضل السعدي وحسين الاعظمي ووسام العزاوي 20 /8 /1997

صورة 4 / السيد وليد جنبلاط وزوجته السيدة نورة في وسط الصورة مع الفرقة الموسيقية. الواقفون يميناً رافد عبد اللطيف ووسام العزاوي وحسين الاعظمي وسامي عبد الاحد وعلي الامام وفاضل السعدي.
