للذهاب الى صفحة الكاتب   

حكاية بيبو

نبيل يونس دمان

 

في النصف الثاني من اربعينات القرن الماضي، كان بيبو (حبيب) ساكو (١٩٢٨- ١٩٨٦) شاباً في نحو الثامنة عشرة من عمره، مفعماً بالحيوية والبساطة التي ميّزت أبناء القرى في تلك الأيام. وكانت إحدى عماته، وتُدعى ملّي (جوكي)* حنّا ميخا ساكو (١٨٨١- ١٩٧٠) تعمل طباخةً في دير الربّان هرمزد، ومتزوجةً من ججو حنيكا سَرّه (مدلّل) (١٨٧١- ١٩٤١)، جدّ إحدى العائلات المعروفة في البلدة، والتي يعود أصلها إلى قرية مانكيش، وكانت تقيم هناك في خدمة الدير.

 

وفي أحد أيام الخريف من ذلك العام، عمّت الفرحة العائلة بعد ولادة طفل ذكر لابنها حنّا (١٩١١- ١٩٧١) المتزوج عام ١٩٣٤ من صلحة (كجكي) اسحق ساكو (١٩١٨- ؟)، فغمر السرور ذلك البيت. ووقع الاختيار على بيبو ليذهب إلى الدير ويبشّر عمة والده جوكي بالخبر السعيد.

 

كان الوقت عصراً حين انطلق عبر وادي باب الدير، لكن تشعّب الوديان وكثرة المسالك أوقعاه في الحيرة؛ فقد اختلط عليه الطريق بين وادي الدير ووادي برسملي، فسلك درباً خاطئاً وهو يظن أنه الطريق الصحيح. وظل يمشي ساعات طويلة بين الجبال والشعاب، وكلما ظهر أمامه ممر أو وادٍ جديد ازداد ارتباكه، حتى فقد تماماً القدرة على تمييز طريق العودة إلى بلدته.

 

وبعد عناء طويل، وجد نفسه في قرية تُدعى «كاني كولان»، وهي قرية يسكنها أكراد مسلمون. ولما عرف أهل القرية قصته، استقبلوه بحفاوة وكرم، ولا سيما أن الطقس كان بارداً وماطراً، وكانت الأمطار الخريفية الغزيرة تجعل التنقل في تلك المناطق أمراً بالغ الصعوبة، فأبقوه عندهم عدة أيام ريثما تتحسن الأحوال.

 

أما في القوش، فقد انقلب الفرح إلى قلق وخوف. فلم يعد بيبو إلى البيت، ولم يصل إلى الدير، كما أن عمته لم تعلم شيئاً عن مجيئه. عندها اهتزت البلدة كلها، وبدأت نداءات البحث عنه في كل مكان. وخرج الرجال والشباب ليلاً ونهاراً يفتشون في شعاب الجبال والوديان والبراري، وانتشرت الأخبار بين القرى المجاورة، حتى أُعلن عن ضياعه رسمياً، ووُعد من يعثر عليه بمكافأة.

 

ومرّت الأيام من دون خبر، إلى أن قدم أحد أبناء قرية كاني كولان إلى القوش، وأخبر أهله بأن بيبو موجود عندهم بخير وسلامة. وما إن وصل الخبر حتى عادت الحياة إلى القلوب، وتقرر أن يعود الشاب إلى بلدته بمرافقة عدد من أبناء القرية.

 

وصادف يوم عودته احتفال زفاف حليمة ابنة فرج القس يونان إلى إلياس يلدا جولاغ. وعندما علم أهل العروس بقصة بيبو، قرر والدها فرج وهو من أقارب بيبو، ألّا يخرج موكب الزفاف من بيته حتى يعود ابن البلدة الضائع إلى أهله، وكأن فرح الناس لم يكتمل إلا برجوعه.

 

وهكذا خرج الشباب لاستقباله عند مدخل وادي دير الربّان هرمزد، في منطقة «جرّا الدير»، وهناك تعالى صوت الطبل والمزمار والزغاريد والأغاني الشعبية. وتشكلت حلقات الدبكة، وشارك الأهالي رجالاً ونساءً وشباباً في استقبال طال انتظاره، وكأن البلدة استعادت واحداً من أبنائها من بين المجهول.

 

كما أن مدير ناحية القوش، رفعت بكر قهوجي الذي انحصرت مدة إدارته (١٩٤٥- ١٩٤٩) وهو من مدينة الموصل، سمح بإطلاق الأعيرة النارية، فانطلقت الرصاصات تشق عنان السماء، وامتلأ الجو بعبق البارود، وتعالى صوتها حتى القرى المجاورة، مثل بوزان وخورزان الأيزيديتين، فتردّد صداها في وادي الدير المقدس.

 

وسار الموكب نحو البلدة وسط الهلاهل والأهازيج، والناس يحيطون ببيبو فرحين بعودته، حتى تحوّل ذلك اليوم إلى فرحين في وقت واحد: فرح عرس إلياس وحليمة، وفرح رجوع الغائب.

 

وظلت هذه الحكاية تُروى سنوات طويلة، باعتبارها واحدة من القصص الجميلة التي تكشف روح المحبة والتكاتف بين أهل القوش والقرى المجاورة في تلك الأيام.

 

الهوامش:

* لُقِّبت ملّي ساكو من بيت حيدو بـ«جوكي» (بالجيم المثلثة)، وكانت متزوجة من ججو سرّه. ورُزقا بعدد من الأولاد، فمن البنين: يوسف، حنّا، شابا، هرمز، وحسقيال. ومن البنات: مسكو (1908- ؟) المتزوجة من دنو ججو طعان دمان، وننّي (1914- ؟)، وريجو (1926-1927).

 

مصادر الحكاية:

١- والدتي كرجية كوريال اودو

٢- عابد ميخا ساكو

٣- كتاب (بيت حيدو) اعداد: جميل يلدا حيدو

٤- كتاب (القوش الناحية) تأليف: إدمون لاسو

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

California on May 23, 2026