للذهاب الى صفحة الكاتب   

مع كل رئيس حكومة جديد في العراق

نسمع عن مجلس لمكافحة الفساد لكن لا نرى طحين...!

موسى فرج

 

- بين يوم إطلاق "الشو الإعلامي" الذي أظهر السيد محمد شياع السوادني -رئيس الوزراء السابق- في مستهل حكمه وخلفه أكداس الرزم النقدية التي قيل أنها مستردة من سرقة القرن في واقعة نور زهير الشهيرة، وبين يوم واقعتي: إحباط هيئة النزاهة محاولة الاستيلاء على تريليون ونصف دينار من مصرفي الرافدين والرشيد الحكوميين قبل أيام، وعملية إلقاء القبض على وكيل وزارة النفط/ مدير عام شركة مصافي الشمال ومصفاة بيجي عدنان حمد حمود "الذي تم تعيينه بشكل مفاجئ بأمر من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني قبل أكثر من عام بحسب وسائل الإعلام" .. والذي تم إلقاء القبض عليه من قبل قوة أمنية تابعة لرئاسة الوزراء ترافقها قوة من هيئة النزاهة على خلفية تهم فساد قيل إنها ضخمة واشتركت معه في ارتكابها أطراف عديدة.

 

بين الواقعتين مرّ قرابة العامين، لم نسمع خلالهما عن قضية فساد كبيرة أعلنتها هيئة النزاهة تضاهي ما اعلنت عنه بشأن العمليتين الأخيرتين، بقدر ما كنا نسمع عن جهود تطوير ذاتي تبذل من قبل الهيئة استعداداً لمرحلة ما بعد عهد السوداني بطل الجسور وعقود الاستثمار العابرة لكل ما هو معقول ومنطقي، لعل وعسى أن يتيح لها القادم الجديد معاودة ممارسة عملها الميداني في مكافحة الفساد.

 

هل يعني هذا أنّ تلك المدة كانت خالية تمامًا من ارتكاب قضايا فساد؟ في وقت بات فيه الكثرة في العراق تترنم بقول الشاعر العلوي "تاللهِ ما فَعَلَتْ أُميّةُ فيهمُ **مِعشارَ ما فَعَلَتْ بَنو العَبّاسِ"؟، أم أنّ خزين الهيئة من ملفات فساد غير محسومة مستنفذ تمامًا...؟ وثلثي تلك الملفات محبوسة في أدراج وزراء الحكومة تحت ذريعة إجراء التحقيق الإداري!، ولماذا تم إلقاء القبض على وكيل وزارة النفط بعد مرور يوم واحد فقط من إعلان رئيس الوزراء الزيدي عن سعيه لمكافحة الفساد؟. أم أن ذلك يثبت وبما لا يدع مجالاً للشك بأن الهيئة لا تفتح فاهاً ولا تحرك ساكناً إلا بضوء أخضر من رئيس الحكومة وهو ليس بطعن في أهلية هيئة النزاهة أو مقدرتها أو الانتقاص منها ولكنه حكم المحاصصة والفساد الذي ينبغي عدم إغفاله عند الحكم على أو تقييم أداء أي من أجهزة الدولة وبمختلف سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والرقابية...؟

 

رئيس الوزراء علي الزيدي تحدث أمام صحفيين وإعلاميين عن أنّ مسؤولًا بارزًا في وزارة النفط عرض عليه، عبر وسيط، مبلغ 200 مليون دولار للتستر على فساد في وزارة النفط وإغلاق ملف الفساد وهو يقصد قضية وكيل وزارة النفط .

 

هل أنها المرة اليتيمة التي يعرض فيها أحد حيتان الفساد الرشوة بملايين الدولارات على رئيس وزراء عراقي؟ وهل أن الزيدي حايط أنصيّص خلافًا لحيطان رؤساء الوزراء السابقين ليتسوره الفاسد، ويعرض مباشرة وبصريح القول رشوة دسمة للتستر على فساده...؟ أم أنها جريًا على العادة والذين سبقوا الزيدي في المنصب كان من شيمتهم الرقص؟ المنطق يقول: لولا التيقن من حصول ذلك سابقًا مع الآخرين ما تجرأ الفاسد على مقام منصب رئيس مجلس وزراء عالي المقام كان يسمى في أدبيات الحكومة العصملية العلية بـ الصدر الأعظم  ليعرض عليه رشوه.

 

"المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام":

يأتي أمر رئيس الحكومة بتأسيس "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام" من كل من: رئيس هيئة النزاهة، ورئيس ديوان الرقابة المالية، ورئيس الادعاء العام، وقاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة، وأن يكون المجلس برئاسته هو أي رئيس الوزراء، وتشكيل المجلس بهذه الصيغة مخالف للمنطق والدستور؛ والسبب هو الآتي:

مخالفته للمنطق:

السلطات في كل بلد مكونة من ثلاث: السلطة التشريعية "مجلس النواب"، السلطة القضائية "مجلس القضاء الأعلى والمحاكم بمختلف تشكيلاتها"، والسلطة التنفيذية " الحكومة بتشكيلاتها المختلفة".

ميدان التعامل بالأموال والمشاريع والمعاملات هي السلطة التنفيذية وليست التشريعية ولا القضائية -إلا ما ندر-، بالتالي فإنّ أجهزة الحكومة هي ساحة ارتكاب أفعال الفساد المالي والإداري الرئيسة، فهي مَن تقبض الأموال وهي مَن تصرفها، وهي مَن تبرم العقود وهي مَن توظف الموظفين والمسؤولين، وهي المسؤولة عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، ومن مصلحتها النفعية والفئوية إعاقة جهود الرقابة على سلوكها أو أعضائها ومواجهة فسادها أو فسادهم ومحاسبتها أو محاسبتهم والأدلة على ذلك لا تحصى ولا تعد، فكيف تكون تحت سلطتها وبأمرتها أجهزة مكافحة الفساد ومسائلة الفاسدين؟.

 

مخالفته للدستور:

1. هيئة النزاهة بموجب المادة 102 من الدستور العراقي "هيئة مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب". هذا يعني أنه لا سلطة لرئيس الحكومة عليها.

2. ديوان الرقابة المالية بموجب المادة 103/ ثانيًا من الدستور العراقي: "يرتبط إداريًا بمجلس النواب". وهذا يعني أيضًا أنه لا سلطة لرئيس الحكومة عليه فهو احد تشكيلات السلطة التشريعية ومبدأ الفصل بين السلطات مبدأ ثابت.

3. رئيس الادعاء العام وقاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة موظفون تابعون للسلطة القضائية "مجلس القضاء الأعلى"، والمادة 87 من الدستور العراقي تقول باستقلال السلطة القضائية، أما المادة 88 فتنص على الآتي: "القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة ".

فإذن؛ قرار رئيس الحكومة الزيدي بتأسيس "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام" من رؤساء جهات دستورية لا سلطة للحكومة عليها، وأنْ يرأس المجلس هو بوصفه رئيس مجلس الوزراء مخالف للدستور حرفيًا. وأيضًا مخالف لمنطق الأمور، ولو جاء بوصفه مجلس تنسيقي يرأسه شخص من مجلس النواب وليس رئيس الحكومة لكان ذلك أقرب للصواب. مع ذلك الناس تريد طحين وتشيح النظر عن المبدأ الثوري القائل: ليس بالخبز وحده يحيا الانسان .

 

تأسيس مجالس مكافحة الفساد ممارسة شائعه درج عليها كل رؤساء الحكومات في العراق لم يكن الهدف من وراءها توفير الطحين...

هل أن تأسيس المجلس المشار إليه ابتكار من السيد الزيدي أم تقليد لما درج عليه من سبقه...؟

-السيد المالكي أسس مجلس مكافحة الفساد برئاسة أمين عام مجلس الوزراء، الهدف المعلن من تأسيسه هو التنسيق بين الأطراف المساهمة في مكافحة الفساد، لكن الهدف الباطن كان احتواء الجهات الرقابية من قبل رئاسة الحكومة وإفراغها من محتواها لتوجيهها لطمس قضايا الفساد المثارة ضد أتباعها، وإثارة الملفات المتعلقة بخصومها، وكنت شخصيًا أول المعترضين على ذلك بصفتي رئيس هيئة النزاهة في حينه، ووجهت كتبًا رسمية إلى رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، وجاءت إجابتيهما مطابقة لما ذهبت إليه، لكن تغول السلطة التنفيذية في ديمقراطية العراق الحولاء غلب الشجاعة. وقد درج رؤساء الحكومات التي أعقبت المالكي: السيد العبادي، السيد عادل عبد المهدي، السيد مصطفى الكاظمي، السيد محمد شياع السوادني وأخيرًا السيد علي الزيدي على المنوال ذاته...

 

العديد من الإعلاميين عندما يقابلون مختصين في مكافحة الفساد أو قريبين من ذلك يسألونهم في ختام الحلقة السؤال التالي: إذا كان رئيس الحكومة جادًا في تفعيل مكافحة الفساد، من أين يمكن أن يبدأ...؟

وأنا شخصيًا قد أجبت عن هذا السؤال في لقاءات عدة مع الفضائيات خصوصًا في فترة حكم السوداني، ونشرت نصه في مقالات مذيلة باسمي وكان كالآتي:

1-نظام الحكم في العراق منتج للفساد وليس مناهضًا له، ولا نهاية للفساد إلا بمغادرة المحاصصة، وبناء نظام حكم يقوم على: المواطنة، سيادة القانون، الشفافية، المساءلة ومحاسبة المسؤولين.

2. مع ذلك، إذا أراد رئيس الحكومة وعقد العزم صدقًا على مكافحة الفساد فعليه القيام بالآتي:

1. أن يقف بحزم أمام نفوذ الأطراف السياسية والحزبية ومنعها من التدخل بشؤون الحكومة والهيمنة على مفاصلها بوصفها إقطاعيات حزبية، والخروج على قاعدة: "هو مدير عام عدنا أحنا نصبناه وعليه تنفيذ أوامرنا" فرئيس الحكومة أي كان عندما يذعن لهذه القاعدة لا يحترم نفسه.

2. أن ينفذ فوراً قرار المحكمة الاتحادية الصادر عام 2019 بشأن اشغال الدرجات الخاصة "وكيل وزاره، مدير عام، مستشار، محافظ...الخ" والذي قضى بأن كل شاغل لدرجة وظيفية خاصة شغلها وفق المحاصصه يعتبر اشغاله لها مخالف للدستور. ويبدأ بإقالتهم بدءً من مكتبه.

3. أن يبدأ بنفسه فلا يرتكب أفعال فساد "، وكنت عندما أقول ذلك: أسارع إلى القول مستدركًا: أنا لا أقصد أن يقوم رئيس الحكومة بتلقي رشا أو سرقة أموال انما أقصد ألا يصدر قرارات وأوامر تنطوي على أفعال فساد، وكنت أضرب على ذلك مثلًا قيام الكاظمي بتوزيع قطع أراضٍ على كل مَن يشغل وظيفة بدرجة وزير في مخالفة صريحة للدستور الذي قال بتكافؤ الفرص بين العراقيين ومخالفة أكثر صراحة للقانون الذي ينص على ألا يكون المستفيد أو زوجته أو أبنائه القاصرين يملك قطعة سكنية، والذي يجري تطبيقه نظريًا على العامة ويصرف النظر عنه عن الخاصة... كنت أقول ذلك ظنًا مني بأن جسامة منصب رئيس الوزراء والمسؤولية الأخلاقية على عاتق مَن يشغله يشكلان حزام العفه يلف وسط الشاغل للمنصب، ويحكم إغلاق مناطقه الحساسة، فيحميها من موبقات الرشوة وسرقة المال العام، إلا أن تصريح السيد الزيدي علانية أمام الصحفيين والإعلاميين بأنه قد تلقى عرضًا بالرشوة من وكيل وزارة النفط الذي تم إلقاء القبض عليه مؤخرًا بـ 200 مليون دولار بغية التستر على ملف فساده وطمسه... جعلني أتيقن من أن لا حزام عفه ولا قناع "الرجل ذو القناع الحديدي" الذي حبس بداخله الشقيق التوأم الأكبر لملك فرنسا لويس الرابع عشر – وفقًا لفولتير- لمدة 34 سنة لحين وفاته في سجن الباستيل عام 1703، قادران على أنْ يجبا الغيبة عن رؤساء حكومات العراق ووزراءهم ويحصن عوراتهم في عصر المحاصصة ...

 

ملاحظه:

قبل أيام كتبت لأصدقائي معتذراً عن انقطاعي عن الكتابة والمقابلات مع الفضائيات قائلاً: "في أحد أيام عام العسره الذي يتوج أعوامنا الأخيرة داخلني شعور عميق باللاجدوى واحساس هائل بالإحباط واللا چاره -أتمنى مخلصاً أن تكونوا جميعاً في منأى عنه وفي حرز حصين من الوقوع بين براثنه-، في ذلك اليوم لفتت نظري شذره وردت في صحيح منعم "صديقي الأثير عبد المنعم الأعسم تقول: "لا تتكلم في موقف يستدعي الصمت"!.

 

وقد وجدت في عبارة جورج واشنطن تلك أنها أدعى بأن تتبع من قبلي في عصرنا هذا في بلدنا هذا... ولم أكُ أدري أن أصدقاء كثر داخلهم نفس الشعور حتى قرأت لصديقي سعدون محسن ضمد يقول: "إلى الأصدقاء الذين لا يزالون يكتبون في الشأن العام العراقي أملاً في التغيير والإصلاح.. أنا أحسدكم كثيراً لأنكم أقوياء ولم تفقدوا الأمل، ولأن صبركم لا يزال يتنفّس في بيئة يحكمها غاز الانسداد المُحكَم السام."