
الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا في بغداد 2003؛
هل جاء متضامنا أم مروِّجا للاحتلال؟
علاء اللامي
كاتب عراقي
حول زيارة الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا إلى العراق بعد شهرين على احتلاله من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. تداول بعض الأصدقاء مؤخرا منشورا عن زيارة الروائي البيروفي الراحل ماريو بارغاس يوسا إلى العراق. وكتب أحدهم أن الزيارة تمت قبل احتلال العراق وكال المديح لما كتبه يوسا. هذه بعض المعلومات التوضيحية حول الموضوع:
إنَّ الروائي البيروفي الراحل ماريو بارغاس يوسا والحائز على جائزة نوبل 2010، وبغض النظر عن الموقف النقدي من أدبه وإبداعه الفني، معروف بمواقفه السياسية المتقلبة والانتهازية. وكان قد انتقل من مواقع اليسار الأممي المتضامن مع الشعوب المستهدفة بالعدوان والإمبريالي وخاصة كوبا وكان شديد الإعجاب بتجربتها الاشتراكية إلى مناهض لها ولتجربتها ومروِّج لأطروحات ما يسمى "اليسار الليبرالي" المرتد عن مبادئ اليسار الثوري المناهض للإمبرياليات والفاشيات وأنظمة الحكم الرجعية التابعة في عالم الجنوب.
زار يوسا العراق بعد شهرين من الاحتلال الأميركي سنة 2003 رفقة ابنته مورغانا التي تولت التقاط بعض الصور خلال الزيارة، وليس قبل الاحتلال بل ويرجح البعض أنها تمت بتسهيل من الاحتلال مدللين على ذلك بصعوبة الوضع الأمني والتنقل في مدن العراق آنذاك. كان يوسا قد كتب عدة مقالات ضد احتلال العراق قبل وقوعه، ولكنه تحول لاحقا إلى شخص متفهم لما يحدث أي للاحتلال كما يقول ومدافعا عنه ونافيا انتهاكاته. وحين جاء إلى العراق المحتل التقى بقيادات سياسية عراقية عميلة وحليفة للاحتلال الأميركي ومع شخصيات ثقافية عراقية دونية ودنيئة مؤيدة لاحتلال بلادها من يساريين مرتدين وإسلاميين وقومين أكراد. وزار عدة مدن عراقية والتقى ببعض ضحايا اضطهاد نظام صدام حسين الدموي من معتقلين تعرضوا للتعذيب. وخرج يوسا من زيارته تلك بمجموعة مقالات نشرها في صحيفة (إلباييس) الإسبانية ثم جمعها في كتاب عنوانه "يوميات العراق"، لينال جائزة نوبل بعد بضع سنوات!
تعتقد ندى حطيط التي كتبت عرضا للكتاب - الذي لم يترجم الى العربية حتى الآن على حد علمي - في جريدة "الشرق الأوسط" السعودية في العام الماضي، أنه بعد زيارته تلك ومشاهداته الشخصية "خفف من غلواء تأييده للغزو الأميركي" ونقل بعض المشاهد التي رآها بنفسه ومنها "مشاهد الفوضى، وانعدام الأمن، وفقدان الخدمات، وكذلك الخسائر الثقافية التي أعقبت دخول قوات التحالف إلى بغداد، بما في ذلك نهب المتحف الوطني العراقي، ذلك الحدث الرمز بالنسبة إلى يوسا يكشف عن الإفلاس الأخلاقي للغزو، ومع ذلك فهو لا يُغفل في تأملاته التكلفة الباهظة إنسانياً للديكتاتورية، والآمال الهشة لدى كثيرين بالديمقراطيّة الموعودة".
أما بخصوص انطباعاته ورأيه بما نُسب إلى قوات الاحتلال من انتهاكات لحقوق الانسان وجرائم بحق العراقيين فيكتب أحد الذين استعرضوا كتابه "وجد يوسا أن معظم القصص – عن تلك الانتهاكات - كانت مبالغات أو أكاذيب". أما عماد فؤاد فيكتب في العربي الجديد في تموز 2025 ما يناقض ذلك الكلام المشكك بأخلاقيات الاحتلال فيقول: "من مفارقات هذه اليوميات، أنها قد تكون من أوائل الأعمال الأدبية السياسية التي رأت أن الاحتلال الأميركي جاء ليملأ فراغاً أخلاقياً، أكثر من كونه جزءاً من خطة استعمارية كلاسيكية.
خلاصة القول هي أنني أعتقد أن الأديب الروائي المشهور ماريو بارغاس يوسا شخص ساذج سياسيا ومتناقص وملتبس نفسيا وعقليا وغير نزيه يقول الشيء ونقيضه ويحاول تجميل الصورة القبيحة للاحتلال الأميركي الهمجي لدى جمهوره حتى إذا زعم أنه "خفف من غلوائه وتراجع جزئيا عن أفكاره" وانتقد أو تحفظ هنا وهناك على الاحتلال. ويغلب الظن أنه حاول من خلال زيارته للعراق في الأشهر الأولى للاحتلال الأميركي محاولة تبرير كتاباته الأخيرة المؤيدة للاحتلال مع إضفاء شيء من التحفظ والنقدية على ممارسته مع أنه دافع عنه واتهم مخالفيه بالمبالغة والكذب بما يخص الانتهاكات الفاضحة آنذاك. أي أنه وضع نفسه في مواجهة حملة عالمية كبرى ضد ممارسات الاحتلال وخصوصا بعد فضائح سجن أبو غريب الذي زاره شخصيا آنذاك. وهو نفسه يقول إنه ليس "في موقع الخبير في سياسات الشرق الأوسط، ولكن كمراقب يسعى إلى تسجيل تأثير الديكتاتورية والحرب على الحياة اليومية للناس العاديين". أعتقد أن من الإنصاف أن نعطي الكتاب وكاتبه حقهما ولا نقسو عليهما أكثر مما ينبغي فقد قام مثقفون وكتاب عراقيون دونيون مؤيدون للاحتلال بما هو أبشع من ذلك وروَّجوا للاحتلال ومشروعه وألفوا الكتب في ذلك وبعضهم اشتغل علنا في أجهزة الاحتلال التخطيطية والاستراتيجية كجهاز أو مجموعة "مستقبل العراق" بقيادة السفيرين كروكر ونغرابونتي مؤسس فرق الموت في أميركيا اللاتينية. وأسماء هؤلاء معروفة وما يزال بعضهم يمارس النشاط نفسه في حماية النظام التابع، وبعضهم انكفأ واعتزل أو مات غير مأسوف عليه ومن هؤلاء إلى جانب كنعان مكية كل من نبراس الكاظمي وفالح عبد الجبار ورند حميد وسجاد جياد وليث كبة.
وبناء على ما تقدم، أعتقد أن من الحكمة عدم التسرع في إطراء الكتاب وتقييمه إيجابيا وبلا تحفظات قبل الاطلاع عليه بلغته أو بترجمته إنْ وجدت مستقبلا والخروج برأي أكثر دقة وحصافة وخصوصا عدم التورط في ترويج معلومات غير صحيحة عن الكتاب والزعم بأنه كتب قبل احتلال العراق وأنه كان كتابا تضامنيا مع العراق وشعبه.
