للذهاب الى صفحة الكاتب   

زيارة إلى مجمع بيت يلدكو… حين يتكلّم الحجر

نبيل يونس دمان

 

 

في صباح يوم السابع والعشرين من أيار/مايو عام ٢٠٢٤، رافقني الصديق متي إسحق يلدكو في جولة غير اعتيادية إلى قلب البلدة القديمة، إلى مكان يمكن وصفه بأنه متحف بلا قيّمين وذاكرة بلا شهود. هناك، في محلة سينا قرب السوق المركزي، يقف مجمع بيت يلدكو شامخاً رغم الصمت الذي يخيّم عليه، ورغم غياب الأنفاس التي كانت تمنحه الحياة.

منذ اللحظة الأولى لدخولي البيت الأول، الذي كان ملكاً لكورياليلدكو وولديه لويس (ليوو) ومنصور (مجو)، باغتتني دهشة لا تخطئها العين. مقتنيات أثرية ما زالت محافظة على هيئتها، كأن الزمن توقّف احتراماً لها. لكن المفارقة المؤلمة أن البيت بلا ساكنين، بلا يد تمتد لترتب، أو عين تراقب، أو قلب يحنّ.

 

جذور تمتد ٢٧٥ سنة:

تاريخ هذا المكان لا يبدأ من جدرانه، بل من رحلة عائلة يلدكو التي قدمت قبل نحو ٢٧٥ عاماً من تياري السفلى (أشيثا) في حكاري – تركيا، تلك المنطقة التي كانت موطناً لممالك القبائل الآشورية المستقلة. حملت العائلة معها إرثها، لغتها، تقاليدها، وذاكرة جبال حكاري الوعرة، لتستقر وتبني حضوراً مؤثراً في البلدة.

بيت عمره ١٧٥ سنة… وما زال يتنفس التاريخ:

البيت الذي زرته بُني على يد ميا يوسف يلدكو المولود سنة ١٨٥٢. أنجب ميا ولدين

• متيكا (١٨٧١)

• اوراها (١٨٧٤)

ومع زواجهما، قُسّم البيت إلى قسمين، ثم ورثه:

• عيسى ابن متيكا

إسحق ابن اوراها، والد الأستاذ متي الذي رافقني في الزيارة.

البيت مكوّن من طابقين وسرداب، وفيه آثار معصرة الراشي التي اشتهرت بإنتاج الراشي الفاخر حتى نهاية الستينات أو بداية السبعينات. كما يضم غرفة كانت تُستخدم مصلّى للآباء الدومنيكان القادمين من الموصل لإقامة قداس الأحد، في مشهد يعكس التداخل الروحي والثقافي في تلك الحقبة.

 

بين الحجر والذاكرة:

ما شدّني أكثر من كل شيء هو عظمة البناء: الأقواس، السقوف الحجرية، السرداب البارد، والفراغات التي صُممت لتلائم تقلبات الزمن والمناخ. كل زاوية في البيت تحكي قصة، وكل حجر يشهد على أجيال مرّت من هنا. لكن الأثر الأعمق كان شعوراً بالأسىفالبيت الذي كان يعجّ بالحياة، أصبح اليوم صامتاً، ينتظر من يعيد إليه نبضه.

 

شكر وامتنان:

أختتم زيارتي بشكر خاص للصديق الأستاذ متي يلدكو الذي فتح لي أبواب هذا الإرث، ورافقني بين أروقته، وشرح لي تفاصيله، وأجاب عن كل ما أثار فضولي. لولاه لما اكتملت هذه الرحلة في ذاكرة بيت عمره قرن ونصف وأكثر.

                    

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

California June4, 2026