للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1451)

والدان كبيران حزينان

 

       مهما يكن من امر، فقد نشأتُ في ظلِّ والديـْن حزينيْن كبيريـْن في العمر نسبة لي، أثقل الدهر عليهما من الأحزان والآلام ما يكفي لترك آثاراً عظيمة في نفوسنا جميعاً. سبق ان تطرقتُ إلى بعض حكايات هذه الاحزان في كتابي الموسوم(حكايات ذاكرة صورية) في جزئه الاول(هامش1). وتولى أخواتي واخوتي تربيتي المباشرة والاعتناء بي، فأنا صغيرهم وانا المدلل عندهم والمحبوب فوق العادة..! فوالدي يكبرني بأربعةٍ وخمسين عاماً، وهو من مواليد 1898. ووالدتي أقل من ذلك بعشر سنوات أو أكثر.

عندما بلغ عمري عشر سنوات تقريباً، كان أخي قد أخذ على عاتقه تعليمي السباحة، وكنتُ لا أذهب الى النهر بدونه أبداً. رغم أنني كنتُ شديد الرغبة بالتواجد في النهر وممارسة السباحة، بل أرغب أن أقضي ساعات اليوم كله في السباحة بالنهر، نهر دجلة الخالد، حالي كحال الاحداث في مثل عمري..! خاصة وان بيوتنا قريبة جداً من النهر، بل تقع على ضفة نهر دجلة الخالد مباشرة..!

 

جمع الطوابع

      في هذه الفترة المبكرة من عمري، نمتْ عندي بصورة كبيرة هواية جمع الطوابع وتبادلها مع الاصدقاء، ربما تأثرا ببعض الاصدقاء أو تماشيا مع الهوايات السائدة التي يتأثر بها مراهقي وشباب ذلك الجيل من ستينيات القرن العشرين. وتطور الامر الى فكرة الخروج عن محلية هذه الهواية وعدم الاكتفاء بجمع وتبادل طوابع بلدنا العراق العزيز فيما بيننا كأخوة وأصدقاء من نفس الوطن..! وعليه نضجتْ فكرة المراسلة بصورة اوسع مع اصدقاء آخرين من خارج الوطن العزيز للاطلاع على طوابع مختلفة من بلدان اخرى أو من أقطار وطننا العربي الكبير. ومن ثم تبادل صورنا الشخصية للتعرف اكثر وتوسيع رقعة العلاقات الاخوية والصداقات الجميلة بين أبناء وطننا العربي الكبير.

في عمر المراهقة وعنفوان الاحلام والشباب والطموحات والرومانسية والتفاؤل العفوي، تتداخل كل هذه الامور في خيال هائل من التفكير والمشاعر الجياشة والشفافة التي لا يُعرف لها أي قرار أو إستقرار..! تبرز مفردة –الذكرى- في مقدمة كل الرؤى. ومنذ بواكير حياتي كنت بطبيعتي محبــَّـاً للعلاقات الاحتماعية ولم أزل، بل واجيدها أيضاً..! بحيث وثــَّقتُ وأرشفتُ كثيراً من ذكريات علاقاتي الاجتماعية التي تبقى جميلة على مدى الحياة، لان الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان، ولأنها تبدو في الحقيقة تأسيساً لبناء وتبلور وتكوين الشخصية الفردية للانسان، وبالتالي فهي من الجذور الاولى للذكريات..! وفي هذه الفترة من عمري وأنا في دور المراهقة، نشرتُ إسمي وعنواني في صفحات المراسلة والتعارف  بالمجلات العراقية والعربية..! سواء الصحف الرياضية أو الصحف الفنية أو حتى في الزوايا الفنية لبعض الصحف السياسية العراقية والعربية. ومن هذه المجلات العراقية الفكاهة، وحبزبوز، والملاعب، وغيرها. ومن المجلات العربية كانت مجلة الاحد اللبنانية، التي نشرتْ صوراً لي ولبعض أصدقائي في الحي للمراسلة. وقد كان ذلك بواسطة جارنا الكاتب المعروف الاديب خضر الولي رحمه الله. وعلى الأكثر، كان المبرر من هذه المراسلات هي هواية جمع الطوابع وتبادلها بين جمع من الاصدقاء في الداخل والخارج، الهواية التي تسيّدت قمة الهوايات في مرحلة الفتوّة والشباب الثقافية، وتصدرت كل فترة مراهقتنا وشبابنا المبكر في جمع وتبادل الطوابع التي تصدر في بلدنا العراق وفي طننا العربي الكبير على وجه الخصوص. وعلى إثر ذلك، وصلتني طبعاً الكثير من الرسائل..! ومن الطبيعي أن لا تدوم في الاعم الاغلب مثل هذه الروابط من العلاقات، لأسباب شبابية أو الاتصالات البريدية أو الإقامة في بلد آخر أو هدوء الناحية العقلية والعاطفية بمرور الزمن وغير ذلك من أسباب..! واذا دامت اية علاقة منها فالاسباب التي ترجح ديمومتها هي تمسك اصحابها بالذكرى الجميلة التي تجمع بين الاصدقاء المتعارفين فيما بينهم عن طريق التواجد اليومي في بلدنا العراق العزيز او المراسلة البريدية. ورغم كل ذلك يمكنني القول، ان فطرة الاهتمام بالارشفة والتوثيق كانت من ممتلكاتي وهواياتي الاصيلة.

       في هذه الفترة من مراهقة العواطف والتفكير، إشتريتُ عدد من الدفاتر الصغيرة، أشبه بدفاتر أو كتب الجيب، ولكنها من النوع الملون وجميل الشكل، لأدوِّنَ فيها ما يحلو لي من معلومات لأحداث تمرُّ في سياق حياتنا الجميلة. وفي هذا الحيـِّز من الكتابة، أحصر موضوعي مع اصدقاء بواكير الحياة سواء في كتاباتهم المباشرة او عن طريق المراسلة. وكذلك مع الاصدقاء العرب ممن تمت مراسلتهم عبر البريد الجوي، وعليه كان أحد الدفاتر التي إشتريتها مخصَّصاً لتدوين كلمات قليلات يكتبها أصدقائي عني، وبالمقابل أكتب عنهم.

 

 

دفتر الذكرى

        بصراحة، سأظل أشعر بالأسى والتأثر من ضياع بعض أو ربما كثير من هذه المدونات خلال مسيرة الحياة. ومع ذلك أقدم لكم أعزتي القراء الاكارم، أحد هذه الدفاتر الأثيرة الى نفسي التي تشبثتُ محاولا الحفاظ عليها، وقد وصلتني مؤخراً من بيتي في بغداد، وفيها تدوين لكلمات كنتُ أتبادلها مع أصدقائي للذكرى، أكتب لهم ويكتبون لي، وإهتمامي الأكثر كان ما يتم تدوينه في دفتري بصورة مباشرة من قبل اصدقائي الذين اعيش معهم، هذا الدفتر الذي كنتُ مهتمـَّـاً به كثيراً، كان دفتراً جميلاً وأنيقاً وأوراقه ملونة جميلة لكل ورقة لون محدد. وقد قمتُ بكتابة بعض الكلمات بخط يدي مثل(دفتر ذكرياتي، دفتر الذكرى) باسلوب خط الرقعة العراقي. وجملة اخرى(هي ذكرى فاذكريني واسحريني - الى هنا بخط الرقعة أيضاً، أما تكملة الجملة، -بذكراك يا ذكرى- فهي باسلوب خط التعليق)(هامش2).أما موضوع الخط العربي وقواعده، فقد تعلــَّمتُ ذلك من أستاذي وقريبي المرحوم مقداد شاكر رشيد الشيخلي الخطاط المعروف في الاوساط الفنية، وختمتُ على يده كراسة الخطاط العظيم هاشم محمد القيسي البغدادي الخطاط، وأنا لم أبلغ سن الرشد بعد..!! وكان الامر يحتاج مني الممارسة المستمرة للخط. ولكن الاهتمامات الاخرى أبعدتني نسبياً عن هذه الممارسة، وأنا متأسف جداً لذلك..! ولعل أهمها كانت الرياضة والفن الغناسيقامي. وسيأتي ذكر هذا الموضوع عند الحديث عن أستاذي الخطاط مقــداد شاكر.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

 

هوامس

1 – هامش1: الجزء الاول من مذكرات كتاب(حكايات ذاكرة صورية) صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في كانون ثاني عام 2015.

2 – هامش2: دفتر الذكرى يحتوي على صورة الصديق وما كتب من رأي في صداقتنا في حسب ما تم تدوينه بالضبط. كذلك ما كتبه خلف الصورة من كلمات الاهداء، الصور الفوتغرافية الشخصية التي اهداها لي اصدقائي في بواكير حياتنا وعنفوان حداثتنا وشبابنا مع كلماتهم التي سطروها اهداءً لي، سواء اصدقائي من بلدي العراق العزيز او من خارج بلدنا الغالي. وطبيعي ان تكون غالبية الصور كلوز بما نسميها(صورة كهربائية شخصية ربع بوستكارد) وهي مهداة بكلمات جميلة كتبها اصحابها على ظهر صورهم للذكرى او في دفتري (دفتر الذكرى)، وعليه أن مثل هذا الموضوع لا بد له أن ينتظم في حلقات متسلسلة متتالية. وسأترك ذكر تفصيلات هذا الموضوع في كتابي المخطوط الموسوم بعنوانه(لعل الذكرى تنفع يوماً) ان شاء الله، والى ذلك الكتاب ألقاكم بكل خير بإذنٍ منه تعالى.

 

 

صورة 1 / حسين الاعظمي في عمر اكثر من اربعة عشر عاما، كانون ثاني January في (12 /1 /1967).

 

 

صورة 2/ يظهر في اليمين وليد حسن الحيالي وغسان الجبوري وحسين الاعظمي  بتاريخ 19 /12 /1977 عند زيارتهما الى المعهد.

 

 

 

صورة 3  و  4 / الاصدقاء في شارع السعدون وساحة التحرير الشهيرة وسط بغداد يميناً صباح الاعظمي وعصام عبد الله وعكاشة شاكر وصلاح الربيعي وحسين الاعظمي ووليد الحيالي وفالح الربيعي وعبد السميع وحودي 6 /8 /1970

 

 

صورة 5 / يميناً ابن العم هلال عبد الكريم وباسم داوود خطاب وحسين الاعظمي ووليد هاشم ومحمد ابراهيمفي

21 /11 /1971.