
من رحم النضال/ 2
د. مزاحم مبارك مال الله
قال لي (محمد) بعد ان انتحى بيّ جانباً في الفرصة بين الدرس الرابع والخامس وهو الدرس الأخير، وبصوت منخفض جداً: "اني اسمي محمد بالشعبة مالتك وأكيد شايفني ولكن دوماً أجلس في نهاية الصف بس انت ما تعرفني زين ولا ملتقي وياي.. المهم أنت شاطر ومتفوق خصوصاً بالأنكَليزي.. أحنا نعرفك كلش زين ونعرف اهلك وأخوانك فلان وفلان..".
هنا اشتغل عندي الإنذار الأمني خصوصاً وأنا لا اطيق هذا الشخص (الذي كنت اتخيله بعثياً).. فقلت من أنتم؟ وشبيهم أخوتي؟
لا تقلق مزاحم.. إحنا اتحاد الطلبة العام.. اني و[(ع)- ترك العمل السياسي لاحقاً] و[جودت كاظم شهيد الحزب في الثمانينيات)].. لذلك ادعوك الى الانضمام الى الإتحاد ولا تخبر احد بذلك.. ثم تركني وذهب.
عدنا الى الصفوف وأنا في حالة من الإندهاش والذهول والحيرة.. وبنفس الوقت شعرت بالفخر والفرحة والقلق.. لا أعرف ولا أتذكر كيف أنتهى الدرس الأخير.
متوسطة المعتصم حينما نجحت فيها الى الصف الثالث المتوسط أنتقلتْ الى بنايتها الجديدة قرب خزان الماء في المنطقة التي يطلقون عليها القادسية محاذاة الشارع الرئيسي العام الذي تمر فيه مصلحة نقل الركاب رقم 45 الى البياع وكذلك رقم 31 الذي ينتهي بمصفى الدورة، بعد الشارع العام توجد مزرعة واسعة للخضروات يخترقها ممر ترابي غير نظامي (يتحول الى خرائط من الاوحال في الأيام الممطرة) هذا الممر نسلكه يومياً ذهاباً وأياباً من والى المدرسة حيث الغالبية العظمى من طلاب المتوسطة هم من سكنة البياع..
عندما أنتهى الدوام مساء ذلك اليوم وخرجنا الى البيوت حيث كنا نمشي اسراباً، فأذا بمحمد نفسه يدنو مني ويطلب دفتر الأنكَليزي ولكن هذه المرة بصوت عال .أعطيته الدفتر.. إختفى بين الطلاب وبعد وهلة أعاد لي الدفتر هامساً في اذني ..أفتحه بالبيت...!!
شعرت حينها أنني أقوم بعمل سري جبار دوناً عن هؤلاء الطلبة الذين اراهم في افق عينيّ، شعرت أني أصبحت قاب قوسين أو أدنى من حلبة العمل السري الذي طالما حلمت به .. وهذا الشعور لا يمكن تفسيره بعيداً عن أحلام المراهقين..!
لأول مرة اواجه حالة اتخاذ قرار لوحدي وبنفسي بعيداً عن توجيه احد او تدخل أي من افراد العائلة.. انه امتحان كبير فلابد أن أكون كيان مستقل حيث تمثل لي كقطع الحبل السري عن جسد وكتلة القرارت العائلية..
(يتبع)
