
من رحم النضال/ 3
د. مزاحم مبارك مال الله
كنتُ أريد الوصول إلى البيت بأقصر وقت، متسارع الخطى، وطلبتُ من صديقيَّ اللذين كانا يسيران معي أن يُسرِعا المشي. أردتُ الوصول إلى البيت لأني شعرتُ أني اليوم أصبحتُ كياناً له وجود واحترام، وشعرتُ أني أحمل أمانة كبيرة، وأنني أمارس طقوس عملٍ سرّي طالما تحدّث عنه إخوتي لفترة طويلة. شعرتُ أني أخوض مغامرة جميلة ورائعة.
وصلتُ البيت، وعلى عجل دخلتُ غرفتنا المشتركة أنا وأخواني: الأصغر مني، وكان في الأول المتوسط (ويقيم الآن في فرنسا)، والأكبر مني، وكان في الخامس الإعدادي (ويقيم الآن في السويد). ولحسن حظي لم يكونا موجودين في الغرفة.
أقبلتُ على حقيبتي إقبالَ طفلٍ يرفعُ غلافَ هديتِه المفاجئة.. فتحتُ حقيبتي لأُخرج منها دفتر الإنكَليزي لأرى ما وضعه لي محمد فيه. أخذتُ الدفتر ودخلتُ الحمّام، وإذا بوالدتي تناشدني من خلف الباب:
• ها يمّه، شبيك؟ ما تريد غداء؟ – ما بيّ شي.. مو هسّه، آكل بعد شوي.
فتحتُ الدفتر، وعلى السريع انتشلتُ الكنز العظيم الذي بداخله، وكانت المفاجأة: عددٌ من جريدة طريق الشعب السرّية، والمطبوعة بحروف دقيقة جداً. وبدأتُ ألتهم ما فيها من عناوين.
ولكي لا أثير انتباه من في البيت، خصوصاً وأن بيتنا كان فيه حمّام واحد، أخفيتُ كل شيء تحت ملابسي وخرجتُ إلى غرفتي، على أمل أن أصعد إلى السطح لأقرأ هذا المنشور السرّي بهدوء ومن دون فزع.
كان هذا المنشور، الذي ما زال ماثلاً أمام ناظري بعد مرور نحو أكثر من خمسين عاماً، يتوسّط صفحته الأولى رسمُ المنجل والجاكوج المتقاطعين بالخط العريض قياساً إلى صِغَر الحروف، وتحته عبارة: (الحزب الشيوعي العراقي) وفوقه شعارنا العتيد: (يا عمّال العالم اتحدوا... وطن حر وشعب سعيد).
انتابني شعور غريب بأني أصبحتُ صاحب قضية ومسؤولية، وأني أصبحتُ حالياً مثل إخوتي الكبار. وها أنا اليوم أدخل حياة جديدة، بل وُلدتُ من جديد.
(نشرتُ عموداً في طريق الشعب يوم الأحد 17/12/2017 تحت عنوان: "طريق الشعب في حقيبة المدرسة"/ د. مزاحم مبارك مال الله) – والعمود ما زال موجوداً على موقع الجريدة.
لا بد أن أُنوّه إلى أن هؤلاء الثلاثة كانوا أصدقاء لا يفترقون: (محد رضا، ع، وجودت كاظم)، وثلاثتهم أكبر منّا بالعمر، وكانوا يجلسون في الجهة الخلفية من الصف لكونهم متأخرين دراسياً، على الأقل سنة واحدة لكل منهم.
السؤال الذي دار في ذهني: ما هو جوابي لصديقي محمد؟ وهل أُفاتح بعض أصدقائي المقرّبين مني؟
(يتبع)
