
وقتُنا الحاضر وتقلّصُ عدد القرّاء
صالح مهدي محمد
لم يعد الحديث عن القراءة في زمننا الحاضر ترفًا ثقافيًا، بل صار ضرورةً لفهم التحولات العميقة التي أصابت وعي الإنسان المعاصر؛ فالعالم الذي كان يحتفي بالكتاب بوصفه نافذةً على المعرفة، بات اليوم محاطًا بشاشاتٍ تفيض بالمحتوى السريع، حتى بدا أن القراءة – بمعناها العميق – تنسحب بهدوء من المشهد.
تقلّص عدد القرّاء يرتبط بعوامل متشابكة؛ في مقدمة هذه العوامل يأتي التحول الرقمي، الذي غيّر طبيعة التلقي ذاتها. فالقارئ القديم كان يصبر على النص، يتأمله، ويعيد قراءته، بينما أصبح المتلقي اليوم ميّالًا إلى الاستهلاك السريع للمعلومة، مكتفيًا بالعناوين المختصرة والمقاطع القصيرة. وهكذا تحوّل النص من تجربة معرفية متأنية إلى ومضة عابرة سرعان ما تُنسى.
ويمكن النظر إلى هذا التحول بوصفه انتقالًا في بنية الانتباه ذاتها؛ إذ لم يعد الذهن مهيأً للغوص الطويل في النصوص الممتدة، بقدر ما صار معتادًا على القفز بين وحدات صغيرة من المعنى. هذا النمط الجديد في التلقي أثّر في طريقة التفكير، فغلبت السطحية على العمق، وسرعة الحكم على بطء التأمل، الأمر الذي انعكس مباشرة على علاقة الفرد بالكتاب.
إلى جانب ذلك، أسهم إيقاع الحياة المتسارع في تقليص المساحة التي كانت تمنحها الأجيال السابقة للقراءة؛ فالانشغالات اليومية، وضغط العمل، وتعدد مصادر الترفيه، كلها عوامل جعلت الكتاب منافسًا ضعيفًا أمام وسائل أكثر جذبًا وأقل جهدًا. ولم تعد القراءة خيارًا طبيعيًا، بل صارت فعلًا يحتاج إلى مقاومة داخلية ووعي بقيمته.
وفي سياق آخر، برز عامل اقتصادي وثقافي يؤثر في حضور القراءة، يتمثل في صناعة النشر وتكلفة الكتاب، إضافة إلى ضعف التوزيع في كثير من البيئات؛ فحين يصبح الوصول إلى الكتاب مرهقًا أو مكلفًا، تتراجع فرص تشكّل عادة القراءة، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تبحث عن بدائل أسرع وأيسر.
كما يظهر أثر الأنظمة التعليمية في هذه الأزمة؛ إذ غالبًا ما تُقدَّم القراءة بوصفها واجبًا دراسيًا جامدًا، وتجربة تفتقر إلى الحرية والمتعة، فينشأ الطالب وهو يربط الكتاب بالامتحان، بعيدًا عن الاكتشاف. ومع مرور الوقت، يتكوّن لديه نفور خفي من القراءة، يستمر معه حتى بعد خروجه من المؤسسة التعليمية.
ومن زاوية أخرى، يمكن رصد تأثير البيئة الاجتماعية المحيطة، حيث تضعف قيمة القراءة حين تغيب كنموذج يومي داخل الأسرة والمجتمع؛ فالفرد يتأثر بما يراه أكثر مما يُطلب منه، وعندما يغيب حضور الكتاب من الحياة اليومية، تتراجع مكانته في الوعي الجمعي، ويحل محله محتوى سريع الاستهلاك.
ومع ذلك، فإن المشهد يحمل ملامح تحوّل؛ فالقراءة تغيّرت أشكالها، وهناك جمهور جديد يقرأ بطرق مختلفة: عبر الكتب الإلكترونية، أو المقالات الرقمية، أو النصوص المختصرة على المنصات الاجتماعية. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على عمق القراءة، مع استمرار حضورها.
استعادة مكانة القراءة تتطلب جهدًا جماعيًا يبدأ من الأسرة، التي تزرع في الطفل علاقة طبيعية مع الكتاب، ويمتد إلى المدرسة التي تعيد تقديم القراءة بوصفها مغامرة. كما يقع على عاتق المثقف والكاتب تجديد الخطاب الثقافي، ليكون أكثر قربًا من القارئ المعاصر دون أن يفقد قيمته.
هنا تتجه الفكرة إلى مساحة أوسع: فالمجتمع الذي يحافظ على القراءة، يحافظ على قدرته في التفكير، ومن يمتلك التفكير يمتلك أدوات صناعة مستقبله. وفي هذا الأفق يظل السؤال مفتوحًا: كيف يمكن إعادة القراءة إلى مركز الفعل اليومي قبل أن يتحول الغياب إلى نمط مستقر في الوعي؟
