
يوميات حسين الاعظمي (1454)
مقداد والخط العربي
أشعر بالارتياح دائما وانا استذكر اساتذتي الذين تعلمتُ منهم الكثير في مسيرة الحياة. ولعل استاذي في الخط العربي المرحوم مقداد الشيخلي، هو احد الذين تركوا اثراً كبيراً في حياتي. وقد ذكرتُ في حلقة أو أكثر من حلقة من الحلقات السابقة التي نلتقي فيها اعزائي القراء الكرام. بأن ملاحظة معلمتي في المدرسة الابتدائية حول جودة كتابتي المبكرة وأنا لم أكن قد تجاوزت الصف الثاني الابتدائي..! ومن هذه الفطرة والعفوية، وملاحظة معلمتي وتشجيعها لي الست ظهيرة(رحمها الله). أخذت تنمو عندي رغبة الكتابة في الدفتر، وإن يكن ذلك بصورة ربما عشوائية، لصغر سني وحداثة عهدي بالتعلم المدرسي، سواء كان تحضيراً للدروس أو غير ذلك، وسواء ما كنتُ أكتبه مفهوماً أم غير مفهوم، المهم أكتب حتى بصورة لا على التعيين..! فنمتْ عندي فعلاً الرغبة في الكتابة والتخطيط خلال السنوات القادمة بعد تخرجي من المدرسة الابتدائية. وفي هذه الفترة وللمصادفة الجميلة، كنتُ واستاذي الخطاط الشهير مقداد شاكر رشيد الشيخلي الكيلاني(رحمه الله)، وهو من أقربائي المقربين، نعيش في نفس البيت، الامر الذي سهّل عليّ ممارسة هوايتي المحببة في تخطيطات الكتابة والخط العربي، معتمداً في كل ذلك على قريبي مقداد الخطاط..! وكنتُ أكتب وأخط بعض الكلمات أو بعض الجمل الادبية، أو آيات من الذكر الحكيم أو أمثال وحكم وما شابه ذلك..! ثم أعرضها على الاستاذ مقداد الخطاط، وكان أستاذي مقداد يصلِّح لي ما أخطه..! وعلى ضوء كراسة قواعد الخط العربي لاسطورة الخط العربي الفنان الشهير هاشم محمد البغدادي القيسي الخطاط(رحمه الله). واستمرت هذه الحالة كل يوم، وقد وصل الامر إلى أنني أصبحت أملأ دفتراً كاملاً، ذو الثلاثين ورقة أو الستين ورقة، أملؤه بالكثير من الحكم والاقوال والآيات والكلمات وأبيات الشعر وغير ذلك يومياً..! وبكافة الخطوط، ثم يخضع هذا الدفتر أو ذاك الى ملاحظات أستاذي مقداد وتصليحاته الدائمة دون كلل أو ملل..! واستمرت هذه الحالة بعض السنوات قبل بلوغي سن الرشد..! وكان الاستاذ مقداد، يندهش مني، لأني كنتُ أخط بقلم واحد وليس بقلمين..! وأنا سائر في التطور، حيث كنتُ أعيد له محاولاتي التي يطلع عليها، بصورة صحيحة حسب تعليماته..! حتى قال لي الاستاذ مقداد الخطاط يوماً
(إنك الآن قد ختمتَ وأكملتَ معرفتكَ بمجمل قواعد الخط العربي المدونة في كراسة الخطاط الكبير هاشم البغدادي، وهذا ما لم يحدث سابقاً لمتعلم يختم كراسة هاشم البغدادي وهو لم يبلغ سن الرشد..! الآن إنطلق في تمارينك وبناء مستقبلك في ممارسة فنون الخط العربي..!).
بصراحة أقول. بأني حتى هذا اليوم، أشعر بالأسى الكبير والندم والحسرة الكبيرة، لأنني تركتُ ممارسة تمارين الخط العربي وتطويرها بعد هذه الفترة من حداثة عمري. ولا داعي لذكر أسباباً لذلك، فعمر الحداثة فيه الكثير من المتغيرات والتقلبات والاهواء، وربما كان جنوني في رغبتي غناء المقام العراقي، هو أحد الاسباب الرئيسة في إبتعادي عن ممارسة الخط العربي..! وأهواء أخرى شغلتني عن هذه الممارسة، خاصة منها الرياضية، سواء في السباحة أو المصارعة التي إحترفتها لخمس سنوات كاملة من عام 1970 حتى عام 1975.
كما يقال دوما (العلم في الصغر كالنقش على الحجر) فقد بقيتْ المعلومات التي إكتسبتها وإمتلكتها في قواعد الخط العربي من أستاذي مقداد شاكر الشيخلي والموجودة في كراسة هاشم البغدادي، راسخة في ذهني وعقلي حتى يوم الناس هذا..! فالقواعد النظرية للخط العربي، مازلتُ أتذكرها جيداً، ويمكنني أن أحاول من خلالها، نقد أي لوحة فنية مخطوطة بأي نوع من أنواع الخطوط العربية، قواعدياً وجمالياً..!
مضت سنوات كثيرة، وفي مرّة من المرّات، وكان ذلك بداية التسعينيات، إلتقيتُ باستاذي مقداد الشيخلي في منطقة رأس الحواش في الاعظمية، وكنتُ حينها عائداً من كلية الفنون الجميلة، حاملاً معي بعض الكتب والدفاتر، حيث كنتُ معيداً في قسم الفنون الموسيقية بالكلية هذه الحقبة الزمنية. وبعد السلام والسؤال وغير ذلك، لاحظ أستاذي مقداد كلمات قليلة مخطوطة على أحد دفاتري التي أحملها، وقال لي متسائلاً، هل أنت الذي خط هذه الكلمات..؟ أومأتُ له بالايجاب. فعلق مباشرة وقال
(انك والله يا حسين لو قدِّرَ لك أن تستمر في ممارسة الخط العربي وبنفس رغبتك العارمة تلك، لأصبحتَ خطاطاً كبيرأ لا يضاهى..!).
رحم الله استاذي في الخط العربي مقداد شاكر الشيخلي، ورحمه الله الجميع واسكنهم فسيح جناته وانا لله وانا اليه راجعون.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
صورة 1 / الخطاط الشهير مقداد شاكر رشيد الشيخلي الكيلاني.

صورة 2 / حسين الاعظمي في آذار 2022.
