للذهاب الى صفحة الكاتب   

في اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف17 يونيو\ حزيران

حجم المسؤولية والتحدي الذي يجابه العراق كبير

تيسير عبدالجبار الآلوسي

 

— ألواح سومرية معاصرة

بعيدا عن المناكفة السياسية وكشف هذا أو ذاك وما قاد إليه من ظروف وحال متدهورة فإن قضية وجودية كقضية الماء والحياة أو التصحر والجفاف وما سيؤدي إليه في ظرف زمني يتسارع شيئا فشيئا حتى يصل بالعراق نقطة الصفر الوجودي تتطلب موقفا شجاعا للمجتمع بأسره ومن ثم للقوى الحكومية كيما نتحول إلى مجابهة نوعية كبرى قادرة على الانتصار لإرادة الحياة على ظروف التغير المناخي وتداعياته الكارثية.. هذه قراءة عجلى أتركها جرس إنذار عسانا تتشابك الأيادي لتبني وتغير بديلا عما يشاغلونا به بعيدا عما يحيط بنا ويحيق!!؟

 

في اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف17 يونيو\حزيران لابد من قرار وطني مجتمعي ورسمي وإلا فلات سساعة مندم

تيسير عبدالجبار الآلوسي

الحديث عن ظاهرة التصحر والجفاف ليس وليد اللحظة فلقد تعالت أصوات مكافحته مع بروز تلك الظاهرة عبر تاريخ بعيد حيث نستذكر الهجرات السكانية نتيجة متغيرات بيئية مناخية في أرض الجزيرة العربية وما نجم عنها من تكوين تركيبات سكانية وتشكيلات ديموغرافية مختلفة نوعيا طوال آلاف السنوات الأخيرة وفي عصرنا وعقب متغيرات مناخية راديكالية حادة باتت الظاهرة تتخذ تهديدا وجوديا وفي بعض الحالات أوغلت لتوقع أفدح الكوارث والأضرار بمناطق بعينها.. وهنا ستحاول هذه المناقشة معالجة الوضع العراقي بصورة أوسع وأعلى تركيزا..

لكن قبل ذلك لنُشِر إلى اختيار المنظمة الدولية موضوعا مهما في إطار هذه الظاهرة وتركز عليه هذا العام ألا وهو اتخاذ (المراعي مادة يلزم الاعتراف بقيمتها. احترامها. استعادتها) ومن ثم أداء استراتيجيات مناسبة للحفاظ عليها وتنميتها.

إذ تُعد المراعي بنيويا لسطح الكوكب وخارطته الجغرافية أوسع النظم الإيكولوجية، لكنها بحجمها الكبير المميز، لا تلقى إلا مزيد إغفال وإهمال خطير؛ على الرغم من أنها تشكل أكثر من نصف مساحة اليابسة في كوكبنا، وهي أبعد من ذلك تنهض بدور مميز في تلبية الأمن الغذائي بتغطية عديد من حاجاته، فضلا عن أهمية في التوازن الطبيعي الذي يساهم جوهريا في تنظيم دورات الأمواه وتحولاته، ومن ثمّ صيانة التنوع الإحيائي البيولوجي، مع تعزيز القدرة على مجابهة تحديات متغيرات المناخ تلك الظاهرة العالمية الخطيرة. وفي ضوء كل ذلك تساهم المراعي في معيشة أكثر من ملياري إنسان عالميا، بينهم بالتحديد الرعاة ومعهم بصورة أوسع تلك القبائل والمجموعات أو الشعوب الأصلية ممن تمسكوا بأسلوب عيشهم ذاك عبر الأجيال.

إن خيارات هذا العام 2026 تؤكد أهمية توسيع الاعتراف بقيمة المراعي الاقتصادية والإيكولوجية والثقافية، وكذلك احترام القائمين عليها تقليديا، بجانب تعزيز الاستثمار الكبير لاستعادة المراعي المتدهورة. وأكثر ما ينبغي الاعتناء برعايته بمناسبة السنة الدولية للمراعي ورعاة الماشية، هو إذكاء الوعي، وإعلاء مساهمات الاستثمار النوعي، لتقوية استراتيجيات صيانة المراعي وأماكن عيش الرعاة ومصادر وجودهم الحيوية.

إن هذا الالتفات الاستثنائي للمراعي واتخاذ عام للتركيز عليه ناجم عن حجم التدهور الذي أودى بحوالي نصف مراعي العالم، الأمر الذي خلَّف ويخلّف تبعات خطيرة على الأمن الغذائي والمائي، وعلى التنوع البيولوجي، والقدرة على الصمود في وجه تغير المناخ.

إلا أن البدائل والحلول مازالت ممكنة على الرغم من كل التداعيات ومآلاتها ومن ثم يمكن للاستثمار في الإدارة المستدامة للأراضي والمياه، وتحسين التأهب للجفاف، ودعم الاستعادة التي تقودها المجتمعات المحلية والوطنية والإقليمية، أن تساهم بتأمين مصادر العيش تلك وهي بنية تحتية عالية الأهمية وجوديا كما مر معنا.

والآن بالعودة إلى مرابع العراق مذ كان يُكنى أرض السواد مرورا بأيام كانت الصحارى الحالية كثيفة في غاباتها ومراعيها حتى انتهاك التنوع البيولوجي والصيد الجائر وقطع الأشجار بلا خطط أو استراتيجيات تحول بالأوضاع لتُعد ظاهرة التصحر في العراق اليوم بوصفها تهديدا كارثيا، أقول لتعد (تحدياً وجودياً وبيئياً) هدَّد ويهدد أكثر من 55% من مساحته الكلية.

ومع أن الإطار الرسمي الحكومي له محاولاته لمكافحة الظاهرة إلا أنها تبقى على الرغم من كل الإعلانات مازالت أقل من أن توصف باستراتيجية ترتقي لإنهاء المشكلة لجملة عوامل لا تقتصر على طابع التحدي البيئي نفسه.. 

فزراعة الأحزمة الخضراء، ومهام تثبيت الكثبان الرملية بطرق ومناهج متقدمة حديثة، أو تفعيل الإدارة المستدامة للمياه بمجابهة شرسة مع الجفاف ومع التغير المناخي لا تزال لم تطارد أو تصل خطط مرسومة على الورق وهي إذا تتبدى بموقع تتراجع في الآخر قبل أن يتم ربط موقعين ببعضهما بما يرتقي لمعالجة جزئية من التحدي.

نحن ندرك هنا أنَّ أسباب تغول ظاهرة التصحر تتداخل فيها العوامل الطبيعية والبشرية ما يعني تفاقمها وتوسعها بصورة حادة  في مساحتها وفي رقعة الأراضي التي تتدهور ويجري تصحرها وجفافها فبالاستناد إلى مزيد تفاقم التغير المناخي: ترتفع درجات الحرارة متجاوزة الـ 50 درجة مئوية، فيما تنخفض معدلات الأمطار. وأبعد من ذلك فإن الحصة المائية للعراق لا تصله بمختلف الأسباب وأخطرها تجاوز دول المنبع عليها حدا يصل القطع النهائي لتتشكل ظاهرة شح ما يصله من المياه عبر انخفاض التدفقات المائية من دول المنبع (تركيا وإيران) وعبر سوء إدارة الموارد المائية وخطل توزيعها أو استثمارها بخاصة مع وجود تجاوزات بلا من يكفها أو يردعها.

ما يزيد الطين بلة ويعقد المشكلة هو استمرار ظاهرة الاستنزاف البشري بوساطة الرعي الجائر مرة، وبوساطة التوسع العمراني وتجريف البساتين والأراضي الزراعية وتحويلها إلى استثمارات مختلفة أخرى.

أما المتطلع إليه فيكمن في مواضع أخرى من جدية رسم استراتيجيات مكافحة التصحر لمجابهة هذا التحدي، بتفعيل دائرة الغابات ومكافحة التصحر ومنحها الموازنات المالية الكافية بمستوى مجابهة هذا الخطر المحدق، إلى جانب تطبيق حزمة الحلول والإجراءات اللازمة من رعاية و\أو إدامة المنجز من الأحزمة الخضراء وإضافة مساحات جديدة تتم زراعتها حول المدن بما يتيح تصديها للعواصف الترابية وتلطيف درجات الحرارة. مع ما أشرنا إليه من قبل من مشروعات جدية حقيقية لتثبيت الكثبان الرملية: استخدام تقنيات حديثة لتثبيت التربة أو الرمال المتحركة في المناطق الصحراوية وحول المدن المعنية بهذا التوصيف وبينها المدن الجنوبية والغربية. إلى جانب الانتهاء من الأعمال القطاعية المحدودة بولوج الاستثمارات الكبرى في توظيف التقنيات الزراعية الحديثة بميادين الرِّي بالتنقيط والرش بما يقلل هدر المياه التي ترد شحيحة بالأصل، ومعالجة أية حالات زحف وتوسع لظاهرة تملح التربة وتحولاتها نحو أن تنكون أرضا بورا باستخدام شبكات بزل فعالة. والحقيقة أن كل ذلك يتطلب إرادة وطنية وإجراءات رسمية عليا بسن التشريعات البيئية الكفيلة بصياغة قوانين صارمة تمنع تجريف الأراضي الزراعية وتقيّد عمليات قطع الأشجار ويكون لها سلطة القانون واليد العليا في الأداء العام.

إن الاستراتيجية الجوهرية لمكافحة التصحر والجفاف عراقيا تبقى بحاجة لإدراك حجم الظاهرة ومعانيها وجوديا للإنسان العراقي في أفق منظور و\أو بعيد وكذلك نحن لسنا بحاجة لقراءة أولييات تشخيص الظاهرة التي تغولت وباتت على تخوم أبواب منازلنا وليس على حافات مدننا سواء نجم ذلك عن عوامل بيئية أم عن خلل إدارة بشري أم أي سبب آخر.. لكن بجميع الأحوال فالنتيجة هي أن التصحر في العراق بات ينتج جملة تراكمية توالدية من الآثار السلبية والمعضلات العويصة المعقدة، لعلها لا تقف عند انخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية، ولا بحدود التفرج على تدهور الموارد المائية، بل هي أبعد من تهديد الأمن الغذائي للعراقيين دفعتهم للاعتماد على استيراد حتى أبسط المنتجات الزراعية من خضراوات وفواكه ومن أمور مرتبطة بها، وعليه فالتصحر والجفاف شكِّل ويشكل سببا آخر في زيادة معدلات الفقر في المناطق المتضررة ومن بعدها بقية مناطق البلاد..

إننا نتطلع إلى تطوير فعلي للملاكات المعنية بالتخطيط والتنفيذ بمستوى مكافحة التصحر والاهتمام بالموارد المائية وإدارتها المستدامة.. وإلى فتح حوارات مختلفة نوعيا في الضغط على دولتي المنبع [تركيا وإيران] لفتح إطلاقات مائية مستحقة على وفق ما يعادل امتداد النهرين والأفرع التي تزودهما  على أن تكون الأمم المتحدة وجهات أممية مسؤولة ومعنية شريكة في الحوار ومخرجاته وتنفيذ تلك المخرجات وضمانها..

وبعد ذلك نحن في إطار الاستراتيجية الكلية ووجود السدود العملاقة علينا توفير خطط لسدود أصغر تتلاءم وتقسيمات مرور الكمية المائية وظروف توزيعها واستثمارها واستدامتها.

أذكر مرارا بأن ما فقده العراق من كميات مياه نهري دجلة والفرات تجاوز الـ50% ما وضعه بين بلدان القصور المائي والشحة والحاجة الماسة سواء في حصة الفرد أم في ظروف الزراعة وأشكال ري متخلفة دع عنكم كثير أمور أخرى معنية بشعار العام الحالي أمميا بشأن المراعي..

وأذكر بأنه إذا كان مفيدا الوعي البيئي بين السكان وتوظيف وسال الإعلام فإن الأهم يكمن في مشروعات يتم تفريغ القوى الفاعلة فيها من قبيل توجيه جيوش كانت مسلحة لتتفرغ لأعمال إدامة الخضرة والتوسع الزراعي والرعوي وإعادة إحياء الريف وامتداداته بوجود حوافز مادية مالية وغيرها وتكريم مجتمعي ورسمي للمبادرات بهذا الخصوص والتوجه.

فهل سيكون للعراق قراره المجتمعي والرسمي بهذا الشأن؟ الأمر لن يبقى متروكا للمصادفة ولبضع محاولات ترقيعية بل سيكون ملزما بالانتقال إلى سلامة قرار وطني وجودي يستعيد فرص الحياة ومن دون اخضرار أرض السواد مجددا لا مستقبل للحياة فيها ليس في نزوح الريف إلى المدينة بل في أي وجود مدني أو غيره بالتحديد في وسط وجنوب البلاد فهلا تنبهنا؟