
من أجل مجتمعنا خال من عناصر خطاب الكراهية
وما يثيره من عداء وتمييز وازدراء للآخر
تيسير عبد الجبار الآلوسي
في اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية 18 يونيو\حزيران هل نعلن عام التسامح ونشرع بمهام بناء بيتنا الوطني والإنساني؟
— ألواح سومرية معاصرة
تتوالى مسيرتنا البشرية بخطاها المتعاقبة التي تزدحم بوجهها العراقيل والعقد الشائكة فيما يتهدد الاستقرار والسلم الأهلي فيها أحد أبرز المخاطر الكارثية ممثلة بخطاب الكراهية وما يعمل على إدامة ضخه من تمييز وعداء وأسباب للصراع والاحتقان والتوترات .. والأنكى أن أصحاب هذا الخطاب تسللوا لبنية الدولة العميقة وانتشروا وسط الفئات المجتمعية الهشة بدءا بنهج التعليم المتخلف ومخرجاته الفاشلة ومرورا بالتضليل الإعلامي بحجم كوارثه التي يختلقها ويهيئ للسطو على المشهد العام ويديمه.. وهذا ما دفعني لتحديث الكتابة في هذاه المضان الخطيرة والعمل على تبيان أسباب الظاهرة ودواعيها ومخرجاتها وربما شيئا من وسائل مكافحتها الأمر الذي يتطلب مزيد تعمق من طرف من سيحاور ويضيف ويرتقي بطرح المعالجة والسير بها لنتائج أفضلض فتحياتي وشكري للجميع
من أجل مجتمعنا خال من عناصر خطاب الكراهية وما يثيره من عداء وتمييز وازدراء للآخر
تيسير عبد الجبار الآلوسي
تتنوع أشكال الاتصال بين بني البشر وتختلف في جوهرها وتمظهرها على وفق المنطلقات والرؤى التي تعبر عنها. وخطاب الكراهية في استعماله بالميادين المفتوحة العامة، يشير إلى خطاب (مُسِيء) يستهدف وجوداً إنسانيا جمعياً أو فردياً بخلفية خصائص نوعية لهم، كما بمرجعيتهم العرقية الإثنية أو الدينية المذهبية أو بالاستناد إلى جنس المعني فرداً أو جماعة.. ومثل هذا الخطاب وإساءته يمكن أن تشكل خطراً محيقا يهدد السلم الأهلي والوجود الاجتماعي برمته..
وبهذا يكون خطاب الكراهية تعبيراً بوساطة أيّ شكل من أشكال الاتصال (بالكلام، أو الكتابة، أو السلوك) بما يتسم بمهاجمة طرف، سواء باستخدام أسلوب الازدراء والامتهان والتحريض ضد ذاك الطرف الفردي أو الجمعي بسبب من الأسباب التي أوردناها. وعليه فإن تشخيص هذا الخطاب يتحدد في ضوء الخصائص الآتية التي يتسم بها:
طابعه التحريضي: الأمر الذي يستهدف إثارة أي شكل للتمييز، أو العداء، أو الدفع باتجاه ممارسة العنف في إدارة العلاقات مع الآخر. وعادةً ما يستغل التحريض نهج التهجم على الهوية أو على السخرية من سمات شخصية خاصة كثرما يقرأها الخطاب العلمي فيما يميز فرداً من طباع بعينها أو فئة مستضعفة.. وتجسد الكراهية وطابعها التحريضي تأثيرها عبر تغذية أشكال العصبية، وتفكيك البنى المجتمعية بصورة مصطرعة تطعن الاستقرار والسلم الأهلي فيما تقوّض بالجوهر منظومة حقوق الإنسان..
أما البعد الآخر للتعرف إلى خطاب الكراهية فيكمن في أنواعه التي تتجسد بسياقات، طابعه العنصري وتبنيه التمييز العرقي أو إثارة التعصب الديني و\أو المذهبي الطائفي باختلاق الإساءة باسم طرف ضد آخر وازدراء معتقد أو آخر والتحريض ضد أتباع أي منها.. كما يتسم خطاب الكراهية بالتمييز على أساس الجنس أو الهوية الجندرية بذات الوقت الذي يتعارض خطاب الكراهية مع حرية التعبير باستغلال أنها حرية ليست مطلقة لكنه يوغل ويغالي في تفعيل الحد الفاصل بينهما بما يلغي نهج حرية التعبير ويقيده بأغلال مفتعلة لا علاقة لها بحدود حرية التعبير وإنما بتأويلات تخدم خطابات تحريضية مثيرة للتقاطعات السلبية..
إنّ هذا التوصيف ليس تشخيصا عابراً لأنه ينصب على تأشير حقيقة معقدة لمحاولات تعريف خطاب الكراهية بصورة موحدة وصياغة مناسبة في القانون الدولي لحقوق الإنسان وهو الأمر الذي مازال موضع حوارات كبيرة، لا سيما في عند بحث علاقته أو ارتباطه بحرية الرأي والتعبير، و\أو إنهاء التمييز، وتمكين المجتمع البشري من مبدأ المساواة.
وبناء عليه، يمتد تعريف الكراهية وخطابها ليشمل أمورا أبعد من التحريض على التمييز و\أو العداء أو اتخاذ العنف نهجاً وهنا يحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان تلك السمات التي ينبغي إعادة وضعها بين يدي القراء لتشكل حصانة في تشخيص الواقعة أو الحدث وهويته ، فنحن بمجابهة مع أشكال التعبير، عن الكراهية سواء المنطوقة أو المكتوبة أو المصورة أو أية كودات ورموز وإيماءات تكشف عن تلك السمة بصورة تمعن في التمييز والانحياز والتعصب وتوكيد كل ما يتعارض مع التسامح فيما يوغل في أسلوب الازدراء، الاحتقار، المهانة أو الحط من شأن طرف بعينه..
وحتى لا نوسع مواضع تشخيص خطاب الكراهية لتتداخل مع مواضع أخرى وحتى يتم تقييدها على وفق ما وصل إليه القانون الدولي للحقوق من المهم أن نؤكد أن ذاك الخطاب لا يستهدف أو يتجه إلا إلى الأفراد أو جماعات منهم بما لا يشتمل على خطابات اتصالية ترتبط أو تتعلق بالدول ومكاتبها أو مؤسساتها و\أو رموزها أو المسؤولين عنها، وخطاب الكراهية ليس بينه ما يتعلق بزعماء دينيين ولا بتعاليم المعتقدات والأديان لأن ذلك يتعلق في بعض أوجهه بحوارات ومناقشات وبحرية اتخاذ موقف من هذا الآخر بصورة لا تقع في إطار التمييز و\أو التحريض ضده وتهديده وإن ركزت مناقشتها [الفكرية] على موضع مما أوردناه أخيرا.
لابد هنا وقد دخل عالمنا فضاء الإنترنت المفتوح أن نحيل إلى حجم الاتساع في شكل التهديد الذي يتسبب به خطاب الكراهية بولوجه هذا الميدان الذي تصل بملايين البشر وربما يؤثر فيهم وعليهم ورؤاهم ونهجهم ما يتطلب مجابهة التحدي بالقدر الكافي من المسؤولية سواء عندما نستخدم مفردة اصطلاحية مثيرة أو عبارة أو جملة تدخل في سياقات تأويلية بعينها..
ولأننا بشأن الإنترنت يرى الباحثون والمفكرون بأن الباعث الدافع للكراهية في فضاء الإنترنت يتشكل بالأساس من (المعلومات المضللة) بخاصة منها سهلة التداول المصاغة بطرق وآليات خبيثة تضحك على الذقون بقبولها أوجه التأويل المختلفة بينها التي تثير الشقاق والعداء وأشكال التمييز والازدراء والتحقير.. وجدير بالذكر أنّ تكلفة استخدام الإنترنت تظل عاملا يسهّل الانتشار الأبعد من وسائل الإعلام التقليدية فضلا عن صلة هذا الفضاء بالإنسان الفرد وبالجماعات أيضا ما يعزز وسائل تأثيره حتى من دون التعرف إلى من أطلقه فعليا ما يعزز إضاعة التشخيص والغاية..
والكارثة هنا أن إمكانات الرصد والتصدي تضعف وسط حال من العشوائية الممتدة بفضاء بلا حدود فضلا عن أجواء الاتصال وفرص التحكم الحقيقية به وهي فرص جد ضعيفة ما عزز ويعزز نشر سرديات خطاب الكراهية وتأجيج الانقسام ونتائجها في مزيد صراعات وأزمات أو اختناقات بلا حدود.
إن هذه السمة أوغلت في طعن المجتمعات الضعيفة من جهة فيما فاقمت سطوة العناصر التخريبية وما تنتهجه من وسائل عدائية تحريضية وهو الأمر الذي دفع الحكومات للضغط باتجاه أدوار رقابية للشركات وهذه بدورها تثير مخاوف جدية مهمة بشأن مساحة القيود المفروضة التي ستطال حرية التعبير وحدود الرقابة المسموح بها.
بجميع الأحوال فإن مساعينا تتعزز وتؤتي ثمارها عندما تتعاضد الأصوات المتنوعة المختلفة وتتشابك في إرادة مشتركة لمكافحة خطاب الكراهية وخصاله السلبية المهدِّدة للسلام الاجتماعي، ويمكن بذلك أن نضيّق المساحة أمام الكراهية. وبهذا فإن خلق الشراكات المكينة القوية ستمهد الطريق إلى أفضل سبل التفاهم وتوحيد القوى لمكافحة معالم الكراهية والتحول نحو توحيد الجهود وإدماجها بما يمكنه أن ينهي الكراهية وتهديداتها، وإخلاء المستقبل من هذا الخطاب المؤذي.
وكيما تتحد الجهود وتتفاعل بصورة ناضجة ينبغي إذكاء الوعي باحترام حقوق الإنسان، وإنهاء التمييز، وتعزيز التعايش وقبول الآخر، وحتما باحترام التنوع والتعددية وحق الوجود لها، وأيضا وحتما تفعيل كل ذلك باستيعاب ثقافات الآخر بكل تنوعاتها بضمنها المعتقدات وتنوعها أو اختلافها، الأمر الذي سيتم تفعيله عبر سبيل واحد ألا وهو الحوار المفتوح
وإذ تتفاقم الصراعات في أنحاء مختلفة من العالم، في ضوء ما يُستعمل باتجاه خطاب الكراهية وتأجيج تهديداتها ومخاطرها فإن لغة الحوار والتقارب ستظل سبيلا موضوعيا للتصدي للظاهرة وتجنب كل ما يعرقل فرص توطيد أسس الحوار والتفاهم بوصفهما أبرز الأدوات التي لا غنى عنها لبناء مجتمعات يسودها السلام والعدل. وتلك المهام تتبنى تفعيل أدوار التعليم ووسائط الإعلام والعمل على محو الأمية الرقمية وعلى رصد البيانات بقصد تحديد مواضع التدخل الأنسب للمعالجة ومكافحة الكراهية.
وللاحتفاء بهذا اليوم، وفي ضوء ما دعت إليه الأمم المتحدة من تنظيم فعاليات ومبادرات تعزز استراتيجيات رصد خطاب الكراهية ومعالجته ومكافحته. أتطلع شخصيا وقد كنتُ مبادرا لعمل أنشطة تعنى بخطاب التسامح أن أجدد تطوير الفكرة لتبني عام التسامح والتحضير له بمختلف المستويات بدءا من المجتمعات المحلية المدرسية والبلدية مرورا بالمدن والضواحي والأحياء كل في ضوء تجاريب ملموسة وبالمستويين الوطني والإقليمي حيث نجد حجم الأزمة المستفحلة بالمنطقة وأثر خطاب الكراهية ومساحة التمييز على الهوية واستدعاء نماذج ماضوية مثيرة للضغائن والاحتقانات والتوترات المتفجرة.. وسيكون عام التسامح أداة من أدوات مكافحة هذا الخطاب المؤذي وكوارثه الناجمة عما مررنا عليه من خصال خطيرة..
ولعلنا بميدان التعليم وخطابات الإعلام ومستوياته المختلفة يمكننا أن ننهض لتفعيل الدور الوقائي لهما عبر إذكاء قدرات التحليل النقدي وعدم التلقي السلبي بخاصة للمعلومات المضللة ولمعارف مزيفة لا تستقيم ومنطق العلم ونهج العقل التنويري.. وأذكر أيضا هنا بأهمية إجراء الفعاليات التي تكافح الكراهية عبر هويتها في الأداء السوسيوسايكولوجي أو إيصال المعلومة الصائبة التي تشكل أداة في كشف خطاب الكراهية وأدواته والتصدي الجوهري له…
وينبغي قبل ذلك وبعده بناء المواطنة الرقمية تعزيز المعارف والعلوم لدى الأفراد والجماعات واستيعاب مبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير ومنظومتيهما القيمية والتثقيف الكبير بحقوق الإنسان ومناهج التعلم الاجتماعي منه والعاطفي ما يبني أسس وقواعد متينة للتصدي للأعراف والتقاليد البالية ولكل تلك الممارسات الاجتماعية الضارة التي يجري اجترارها بوقت ينبغي الإشهار عن مناهضتها والسير بطريق مكافحتها بغرس قيم الحداثة التنويرية السامية من احترام الآخر باحترام التنوع وتعزيز التعايش السلمي وفتح الحوارات بمختلف مستوياتها وفئاتها وبينهم فئة الأطفال والشبيبة بوصفهم فئة بانية للمستقبل المستقر الآمن.. وفي هذا المجال سيكون المعلم خط دفاع أول إذا ما جرى تكوينه بصورة منهجية سوية سليمة صائبة وليس كما يجري تمرير تكوينه بصورة متسرعة ترسل عناصر محملة بماضويات سلبية مثيرة للتقزز والاحتقان وخطابات الازدراء والتحقير والإهانة!!
وغير المعلم والتعليم فإن الإعلامي هو الآخر كما مر معنا بحاجة لبناء واختيار دقيق كي نمنع مرور المعلومات المغلوطة أو غير الدقيقة بخاصة هنا عند الإشارة إلى نهج التضليل الإعلامي المتعمد بوصفه جريمة خطيرة تسعى إلى نشر معلومات مغلوطة عمداً بقصد إحداث خديعة و\أو إلحاق ضرر وخيم. بطرف مستهدف من ذاك التضليل
دعوني هنا أذكر بأن التضليل لا يتحدد بميدان بعينه بل ربما يتسع لتنهض به سلطات بأكملها لتعيد إنتاج وجود فاسد أو معاد للشعب ولتطلعاته بإعلان أمور وإضمار الحقيقة التي لو افتضحت مانت تلك الجهة ستبقى تتحكم بما تريد من سلطة وغيرها.. وأيضا الموقف لا يقوم على فعل أو قيد حسب بل يمتد إلى افتعال قيود على مكافحة التضليل ما يؤدي ليس للتشكيك بجهد مكافحة التضليل بل في استهدافه في فعله وجوهره القيمي الأمر الذي يورط جموعا ويجيرها لصالح من دفع بتلك القيود ليديم سطوته ويبقى المواطن بين حيرة قبول التبرير والذريعة وعدم الاصطفاف مع الحق وبين الإحساس بنكبته وبلائه بخلفية إعادة إنتاج مستغليه وقواعدهم وقيودهم أو أضاليلهم وأباطيلها..
إنني أدعو هنا لعام (تسامح) في عراق أنهكته منظومة قيمية مشوهة تتسر بالمعتقدات مرة وبالمصالح العليا في أخرى وهي بجميع أحوالها تغذي التعليم بخطاب الخرافة ودفع مخرجات تعليم شبه أمية بخاصة بالميدان الرقمي فيما تسوق لنهجين سلبيين مدمرين بضخ خطاب إعلامي مضلل أو أضاليل بلا محددات وقيود تقابلها على وسائل كشفها والتصدي لها عبر شرعنة قوانين لا تستقيم والقيم الدستورية و\أو القوانين والاتفاقات والعهود الدولية.. وهنا نحتاج إلى استراتيجية جبهة شعبية بمختلف المسارات أهمها مكافحة خطاب الكراهية ومن سوّق ويسوق له بصورة فاعلة منتجة يمكنها من التحول إلى مجتمع الاستقرار والسلم الأهلي والانتقال لمرحلة بناء وتنمية مستحقة وجدية ملموسة بمخرجاتها على الأرض..
فهلا تنبهنا على تلك الدعوة وندائها الإنساني الذي يمتلك أولويته وعلوية خياراته؟؟؟
