
من رحم النضال/ 9
د. مزاحم مبارك مال الله
عزيزي، ساعة خمسة يعني ساعة خمسة… واضح؟ هكذا، وبهذا الحزم، قال لي جودت.
• صار، سأكون في الموعد.
انشغلتُ في تخمين المسافة الزمنية بين بيتنا في وسط مدينة البياع وبين بيت محمد الذي يقع في بدايتها. وتمكنتُ من تقدير المدة الزمنية، فعليّ أن أخرج من البيت عند الساعة الخامسة إلا ربع.
وبطريقة من (الكذب الأبيض) أقنعتُ الوالدة بأني لن أتأخر.
خرجتُ في تمام الخامسة إلا ربع، متأبطاً أحد كتبي المدرسية حسب توجيهات جودت، ووصلتُ إلى بيت محمد في الموعد تماماً.
طرقتُ الباب، فاستقبلني محمد بوجهه البشوش قائلاً: – هلو مزاحم… تعال، تفضل.
كنتُ أتوقع أن يكون الاجتماع بيني وبين محمد وجودت و ع، لكن المفاجأة كانت حينما دخلتُ صالة الاستقبال، فإذا بي وجهاً لوجه مع عددٍ تجاوز العشرين. اندهشت… انبهرت… تفاجأت. هل كل هؤلاء زملاء؟ هل كل هؤلاء مناضلون في اتحاد عظيم كاتحاد الطلبة العام؟ بمعنى: جماعة (الاتحاد الوطني) محد يحبهم! هل كل هؤلاء لا يحبون السلطة القائمة؟ يعني ليس أنا وأخوتي ومعارفي فقط، بل هناك الكثير ضد النظام… خصوصاً ونحن في العام الدراسي 1969 /1970، أي بعد وصول البعث الدموي إلى السلطة مرة ثانية.
وجوه عدد غير قليل من الموجودين لم تكن غريبة، فهم جميعهم من مدرستنا، وبعضهم أكبر منا. وأول ما شدّني أن بعضهم كان يدخّن، وهذا أمر غريب بالنسبة لي. والسؤال الذي همسته في أذن جودت: – هل كلهم جاؤوا في الخامسة؟ فأجابني: – لا عزيزي، فقد أخبرنا كل واحد منهم أن يأتي في وقت يختلف عن الآخر.
حينما دخلتُ، قال محمد موجهاً كلامه للباقين: – أقدّم لكم زميلنا الجديد مزاحم مبارك. فقالوا جميعاً تقريباً بصوت واحد: أهلاً وسهلاً بزميلنا العزيز.
أحدهم انبرى قائلاً: – سامعين به، فهو أشطر طالب بالإنكَليزي في المدرسة حسب ما قال أستاذ نزار، مدرّس الإنكَليزي. فقال محمد: – شكد أكره هذا المدرس لخاطر الله. فأجابه أحدهم: – طبعاً تكرهه، لأن أنت كل سنة تسقط بالإنكَليزي.
ثم أردف محمد: – زملاء، بعد شوي نبدأ الاجتماع… بس ننتظر اثنين من الزملاء راح يوصلون.
في الخامسة والنصف بدأ الاجتماع، وهو الوقت الذي حدده القائمون على التنظيم على ما يبدو مسبقاً.
جلس محمد في الوسط بعد أن جلب الماء، قائلاً: "زملاء، اليوم نعقد اجتماعنا وقد انضمّ إلينا خمسة زملاء جدد"، وذكر الأسماء ومن ضمنها اسمي.
بدأ محمد يسرد مسيرة نضال الاتحاد، محفزاً الجميع على تعريف الطلبة بحقوقهم، حتى دون الإلحاح بطلب الانتماء للاتحاد.
كنتُ أتوقع أنه سيشير إلى مجهودي في استنساخ كفاح الطلبة، لكن تبيّن من كلامه أن الجميع كانوا مكلفين بالمهمة نفسها، ففهمت أن العمل الجماعي هو ديدن النضال الطلابي والوطني.
(يتبع)
