للذهاب الى صفحة الكاتب   

للتاريخ/ يوسف متيكا منصور صارو

 (1893-1969)

إعداد وتوثيق: نبيل يونس دمان

 

     وُلد يوسف متيكا منصور صارو، المعروف بلقب «سرسرّوك»، في بلدة القوش يوم 5 تشرين الأول 1893، لوالديه متيكا (1868) وشمّي مروكي ككّا (1862). وفي حدود عام 1910 اضطرت الأسرة إلى مغادرة القوش بسبب الظروف الاقتصادية القاسية وما رافقها من مجاعة ومعاناة، فتوجهت إلى ولاية أضنة في جنوب تركيا، شأنها شأن العديد من العائلات التي دفعتها الحاجة إلى البحث عن سبل العيش خارج موطنها.

     ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وما رافقها من حملات اضطهاد ومجازر استهدفت المسيحيين، ولا سيما الأرمن، تعرضت مناطق واسعة من الأناضول لأحداث مأساوية. وقد نجا قسم من أبناء القوش المقيمين هناك بفضل شجاعتهم وتمسكهم بالدفاع عن أنفسهم، فعاد بعضهم إلى العراق، فيما فضّل آخرون الاستقرار في بلدان مجاورة مثل سوريا ولبنان.

     أما عائلة متيكا فقد انتقلت إلى إسطنبول، حيث كان الابن الأكبر يوسف قد سبقهم إليها. هناك تعلم مهنة الميكانيك وأتقنها، ثم عمل في السفن التجارية التي كانت تنطلق من إسطنبول إلى موانئ متعددة حول العالم، ولا سيما الموانئ الفرنسية والأوروبية، فاكتسب خبرة واسعة في مجال عمله واطلع على ثقافات مختلفة.

     في عام 1918 تزوج يوسف من حنّي شمّو (1904-1987)، وهي من عائلة تعود أصولها إلى بلدة مانكيش. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عادت الأسرة إلى القوش، وكان من بين العائدين الوالدان متيكا وشمّي، ويوسف وزوجته حنّي مع أفراد من عائلتها، إضافة إلى شقيقه الياس وشقيقته شازي (شاهزادة) التي عاشت بين عامي 1908 و1934.

     أما شقيقاه منصور ونعيم، إلى جانب شقيقته وردة، فقد اختاروا التوجه إلى لبنان والاستقرار فيه. وهناك تزوجت وردة، التي عُرفت لاحقاً باسم ماري، من هرمز دقيقا المنتمي إلى عائلة ألقوشية تعود جذورها إلى بلدة تلكيف. أما نعيم فقد أتقن اللغة الفرنسية وأصبح من العاملين في السفارة الفرنسية ببيروت، حيث شغل موقعاً مرموقاً كمستشار، واستطاع أن يبني حياة مهنية واجتماعية مميزة في لبنان قبل أن يعود لاحقاً إلى العراق ويستقر في بغداد حتى وفاته.

     ومن المواقف التي ارتبط اسم نعيم بها مساعدته لعدد من أبناء القوش الذين وصلوا إلى شمال سوريا في بدايات الثلاثينيات من القرن الماضي. فقد استخدم علاقاته ونفوذه لدى السلطات الفرنسية لتسهيل حصولهم على الإقامة والأوراق الرسمية، الأمر الذي ساعدهم على الاستقرار ومواصلة حياتهم في ظروف كانت بالغة الصعوبة.

يوسف صارو وأحداث القوش سنة 1933

     ارتبط اسم يوسف متيكا صارو بواحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ القوش خلال القرن العشرين. ففي شهر آب سنة 1933، وبعد الأحداث الدامية التي تعرض لها الآشوريون في شمال العراق، لجأت أعداد كبيرة من العائلات الآشورية إلى القوش طلباً للأمان. وفي تلك الأيام العصيبة فرضت القوات الحكومية ومعها أعداد كبيرة من المسلحين طوقاً حول البلدة، ونُصبت المدافع في جهاتها المختلفة، وسط مطالب بإخراج اللاجئين الذين احتموا بها.

     في تلك الظروف الحرجة انقطعت سبل الاتصال تقريباً بين القوش والموصل، ولم يكن من السهل إيصال حقيقة ما يجري إلى المرجعيات الدينية والسياسية. وهنا برز دور يوسف صارو الذي قرر المجازفة بحياته. فاستطاع ليلاً، وبرفقة القس فرنسيس حداد وحنا كجو، أن يغادر البلدة بسيارته متجاوزاً نقاط التفتيش والمراقبة حتى وصل إلى الموصل.

     وتروي الذاكرة الشعبية أن يوسف قصد القلاية البطريركية في كنيسة مسكينتا، حيث كان يقيم البطريرك مار عمانوئيل توما، ونقل إليه صورة دقيقة عن الأوضاع الخطيرة التي تمر بها القوش والعائلات اللاجئة إليها. وعلى إثر ذلك أجريت اتصالات واسعة مع الجهات الرسمية والقنصلية، أسهمت في إنهاء الحصار ورفع التهديد الذي كان يخيّم على البلدة وسكانها واللاجئين المقيمين فيها. وقد بقي هذا الموقف محفوراً في ذاكرة أبناء القوش بوصفه مثالاً للشجاعة والإقدام في زمن المحنة.

حياته العملية

     تنقل يوسف خلال سنوات حياته بين عدد من المهن والأعمال التي ارتبط معظمها بالميكانيك ووسائط النقل. فقد عمل في البصرة والموصل وبغداد، كما عمل فترة في البلاط الملكي، مستفيداً من خبرته الفنية الواسعة في صيانة المحركات والآليات.

     وخلال سنوات إقامته في الموصل مارس مهنة الميكانيك في أحد الكراجات المعروفة آنذاك، كما عمل لفترة سائقاً على خط قطار طوروس الذي كان يربط الموصل بتل كوجك. وقد أكسبته هذه الأعمال مكانة متميزة بين أبناء جيله لما عُرف عنه من إتقان للمهنة واعتماد على النفس.

     وفي عام 1942 اشترى سيارة أخرى وعاد إلى القوش ليستأنف العمل في نقل الركاب بين البلدة والموصل. وظل يمارس هذا العمل سنوات طويلة، مساهماً في تسهيل حركة السفر والتنقل في زمن كانت فيه وسائل النقل محدودة.

سنواته الأخيرة

     في مطلع الخمسينيات اتجه يوسف تدريجياً إلى حياة أكثر هدوءاً. فاستقر في بستان يملكه في محلة سينا بالقوش، وأقام فيه غرفة سكنية بسيطة عاشت فيها الأسرة سنوات طويلة. وكان البستان يضم بئراً للمياه وأشجاراً متنوعة من التين والرمان والعنب، إضافة إلى المزروعات الموسمية التي وفرت للأسرة جزءاً من احتياجاتها.

     وكانت زوجته حنّي شمّو شريكة حقيقية في بناء حياة العائلة، إذ اشتهرت بمهارتها في الخياطة، وأسهم عملها في توفير دخل إضافي للأسرة. وقد أنجب الزوجان عدداً من الأبناء والبنات الذين توزعوا لاحقاً بين العراق وبلدان المهجر.

     ويتذكر أبناء القوش يوسف في سنواته الأخيرة رجلاً طويل القامة، نحيف البنية، يعتمر السدارة العراقية ويرتدي السترة والبنطال. وبرغم تقدمه في السن ظل يمارس أعمال الصيانة والإصلاح، فكان يصلح مضخات المياه ومحركات الآبار التي اعتمدت عليها البلدة في الري وتوفير المياه. كما عمل على إصلاح مولدات الكهرباء وبعض المعدات الزراعية، مستفيداً من خبرة طويلة اكتسبها خلال عقود من العمل.

     ومع تقدم العمر بدأت الشيخوخة تترك أثرها عليه، إلى أن توفي في الثاني من أيلول سنة 1969، بعد حياة حافلة بالعمل والكفاح والتنقل بين بلدان ومهن متعددة.

أبناء العائلة ومسيرتهم

     امتدت مسيرة الكفاح التي ميزت يوسف إلى أبنائه وأفراد عائلته. فقد عرفت الأسرة بمواقفها الوطنية والاجتماعية، وتوزعت بين القوش وكركوك وبغداد، ثم بين بلدان المهجر لاحقاً.

     ومن أبرز أبنائه سرحدون يوسف صارو، المعروف باسم «سرحدّو»، المولود في القوش سنة 1944، والذي استقر سنوات طويلة في ولاية مشيغان الأمريكية. وقد عانى في سنواته الأخيرة من فقدان البصر قبل أن يتوفى في 23 تشرين الثاني 2025.

     وبعده بأيام قليلة توفي شقيقه بنيامين يوسف صارو، المعروف بلقب «ناهي»، في مدينة مالمو السويدية يوم 30 تشرين الثاني 2025. وكان من الذين غادروا العراق أواخر سبعينيات القرن الماضي، متنقلاً بين لبنان وكردستان العراق وسوريا قبل استقراره النهائي في المهجر. وقد عُرف بمواقفه السياسية ونشاطه ضمن صفوف الحركة الأنصارية خلال مرحلة من تاريخ العراق الحديث.

     كما ضمت الأسرة أبناءً وبناتٍ آخرين رحل معظمهم في فترات متفرقة، بعد أن عاشوا حياة اتسمت بالصبر والعمل والتمسك بالمبادئ التي نشأوا عليها.

خاتمة

     تمثل سيرة يوسف متيكا منصور صارو صورة مصغرة لتاريخ جيل كامل من أبناء القوش الذين عاشوا تحولات كبرى امتدت من أواخر العهد العثماني إلى العقود الأولى من الدولة العراقية الحديثة. فقد عرف الهجرة والاغتراب والعمل الشاق، وشهد الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من اضطرابات، كما أسهم في خدمة مجتمعه من خلال مهنته ومواقفه الإنسانية الشجاعة.

     واليوم، وبعد مرور عقود على رحيله، تبقى ذكراه حاضرة في ذاكرة أبناء القوش بوصفه واحداً من رجالها الذين تركوا أثراً طيباً في حياة الناس، وأسهموا في كتابة صفحة مهمة من تاريخ البلدة وأهلها.

 

ملاحظة: استعنت بمصدرين في جمع المعلومات: المرحوم سرحدون يوسف صارو، والأستاذ القدير عمانوئيل موسى شكوانا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

California on June 15, 2026