للذهاب الى صفحة الكاتب   

خطة الزيدي الاقتصادية: نسخة من يلتسن أم السادات؟- ج1

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

يعتزم رئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي تنفيذ مجموعة من الإجراءات والمشاريع ضمن ما سماها "خطة الإصلاح الاقتصادي". وقد عرضها فعلا على الإطار التنسيقي، وهو التحالف السياسي الذي يمثل "الشيعية السياسية" في البرلمان، وربما يكون قد حصل على الضوء الأخضر لتنفيذها. وقد أثارت هذه الخطط ردود فعل محدودة شعبيا حتى الآن، ولكنها مهمة نخبويا. وفي هذا السياق أطلق خبيران اقتصاديان عراقيان هما د. نبيل المرسومي و د. عبد الرحمن المشهداني تحذيرات وتوضيحات اقتصادية بالغة الأهمية والخطورة على إحدى القنوات المحلية.

 

هنا محاولة لوضع هذه التحذيرات والتحليلات في سياقها الاقتصادي السياسي ومحاولة استشراف آفاقها ونقد محدوديتها العلاجية. والهدف من ذلك هو محاولة الإجابة على السؤال التالي؛ هل تشكل المرحلة الحالية في العراق التي بدأت مع تكليف رجل الأعمال والملياردير شبه المجهول علي فالح الزيدي برئاسة مجلس الوزراء، استمرارا لنهج الحكم العراقي المكوناتي التوافقي الكليبتوقراطي، أم إنها مرحلة جديدة ومختلفة وبأي المعاني؟

 

من التفتيت الطائفي إلى بيع أصول الدولة

آخذين بنظر الاعتبار أن "الكليبتوقراطية" أسوأ من "الكومبرادورية"، مع إنهما يمكن أن يتمازجا في نظام واحد، فالكومبرادورية تعني "تبعية اقتصادية من قبل طبقة محلية تعمل كوكيل للرأسمالية العالمية"، ولكن لا وجود لطبقة محلية عراقية تعمل كوكيل فتستورد أو تنتج وتصدر شيئاً، بل إنَّ الحالة هي أقرب إلى الكليبتوقراطية التي تعني استيلاء مسؤولي الدولة غير المشروع على ثروات وموارد البلاد وسرقتها لمصلحتهم الخاصة.

 

آخذين بظر الاعتبار هذا الحيث الاصطلاحي يمكننا الاعتقاد أن العراق دخل المرحلة الثانية من تفتيته مجتمعيا وتدميره دولة ومؤسسات مع (إيصال) علي فالح الزيدي وهو رجل أعمال متهم بقضايا فساد كبيرة منها مثلا ما طرحه علنا النائب السابق أمير المعموري. وكان وصول الزيدي إلى كرسي الرئاسة الأولى مفاجئاً وغامضاً وسريعاً وأقرب إلى الانقلاب الأبيض إلى رئاسة مجلس الوزراء في 27 نيسان أبريل 2026. ومعلوم أن المرحلة الأولى قد بدأت مع احتلال العراق من قبل قوات الولايات المتحدة وحلفائها سنة 2003، حيث تم حلُّ الجيش وتدميرُ أو شلُّ أو نهب العديد من مؤسسات الدولة إلا وزارة النفط التي طوقتها دبابات الاحتلال وحمتها من عبث العابثين وكأنها قدس الأقداس. وبعد سنتين فقط وضع الاحتلال الأساس الفعلي لإقامة نظام حكم مكوناتي تفتيتي ما يزال قائما حتى اليوم، وأمسى فاسدا ومفسدا بشكل مطلق. لقد تحولت الدولة العراقية المعاصرة التي أكملت القرن الأول من عمرها قبل سنوات قليلة إلى مسخرة وهُزأة في نظر غالبية مواطنيها. فلا سيادة وطنية ولا استقلال فعلي ولا زراعة في بلد الزراعة الأول في التاريخ البشري ولا كهرباء ولا صناعة في البلد الخامس عالميا من حيث المخزون الاحتياطي النفط (بين 140 إلى 180 مليار برميل) والغاز الذي ما يزال يُحرق في الجو عبثاً. ولا تعليم في أول بلد تخلص من الأمية في الشرق الأوسط في سبعينات القرن الماضي ولا صحة ولا جيش...إلخ!

 

هل الاشتراكية هي القطاع العام؟

في الأيام الأولى لتكليفه رسميا بتشكيل الحكومة وقبل أن يكتمل التشكيل الذي لا يزال متعثرا أعلن الزيدي عن وجوب التوقف عن التفكير بالعقلية الاشتراكية التي تسببت بكل هذا الخراب أو أنها لم تعد الطريقة الصحيحة في التفكير الاقتصادي من وجهة نظره! وقد فهم الكثيرون من كلامه أنه يدشن مرحلة جديدة وصريحة في تدمير ما تبقى من اقتصاد عراقي تحول في مجمله إلى اقتصاد ريعي ومؤسسات سكراب بقرار من حاكم العراق الأميركي بول بريمر قبل ربع قرن تقريبا. وأنه ومن معه يفهمون أن الاشتراكية هي القطاع العام ليس إلا. وهذا محض جهل مدقع بالاشتراكية وبالقطاع العام. لنلق نظرة على القطاع العام الموجود في أعرق الدول الرأسمالية اليوم؛

 

-في فرنسا يمثل القطاع العام أحد أكبر القطاعات من حيث نسبة القوى العاملة، حيث يتجاوز عدد العاملين فيه ربع إجمالي القوى العاملة (بما يزيد عن خمسة ملايين وتسعمائة ألف موظف)، ويشمل ذلك الوزارات، والهيئات الإدارية، والعاملين في قطاعي الصحة والتعليم.

 

-وفي ألمانيا يعتبر القطاع العام ركيزة أساسية للاقتصاد الألماني، وهو يشمل الوزارات الفيدرالية والإدارات المحلية (البلديات). كما يضم الشركات العامة في مجالات الطاقة والمرافق الحيوية. ويضم سوق العمل الألماني أكثر من مليون وظيفة شاغرة، مما دفع الحكومة إلى تكثيف جهود استقطاب الكفاءات. وقد بلغ متوسط عدد الأشخاص العاملين في القطاع العام أكثر من خمسة ملايين ومائة ألف شخص.

 

-وفي المملكة المتحدة يقدر عدد العاملين في القطاع العام البريطاني بنحو 6.19 مليون موظف يعملون في الخدمات الصحية الوطنية (NHS) والإدارات الحكومية والتعليم النسبة الأكبر منهم.

 

أما في روسيا الرأسمالية التي تم تدمير الاشتراكية فيها، فإن حجم القطاع العام مايزال يمثل في أيامنا نحو 44.9% من إجمالي العمالة في روسيا وفقاً لبيانات البنك الدولي. بينما تشير سجلات أخرى إلى نسبة تتجاوز 30% أي ما بين 15 إلى 18 مليون موظف وعامل. ويشمل القطاع العام الروسي ميادين التعليم والرعاية الصحية والصناعات الدفاعية والتكنولوجية والنفطية والبنوك والإدارة العامة.

 

خطة الزيدي الثلاثية للتشطيب

طرح الزيدي ثلاث خطوات للخروج من الأزمة التي يعيشها العراق. وهذه الخطوات التي يريدها الزيدي تتويجا لنهجه "المناهض للاشتراكية" تتمثل في:

-الخطوة الأولى؛ رفع سعر الدولار أمام الدينار العراقي بنسبة عالية (السعر المقترح هو 170 دينار للدولار بدلا من السعر الحالي 131 دينار. فيما تصعد بعض الترجيحات التي طرحها الإعلاميون والخبراء إلى الوصول بالدولار الى سعر 200 دينار). ومعلوم أنَّ هذا هو التغيير الثالث لسعر الدولار خلال عهد ثلاث حكومات متوالية؛ رفعت حكومة الكاظمي سعر الدولار من 118 دينار إلى 145 دينار. ثم جاءت حكومة السوداني لتخفضه إلى 132 دينار، وها هي حكومة الزيدي تنوي رفع سعره إلى 170 دينار.

 

-الخطوة الثانية التي ينوي الزيدي اتخاذها للقضاء على أوهامه وأوهام مستشاريه الاشتراكية، هي بيع ما تبقى من مؤسسات القطاع العام وأصول الدولة إلى القطاع الخاص. وعلى الطريقة التي جربها السادات في مصر، ويلتسن في روسيا، وانتهت الى ما يشبه التدمير الشامل سيكون البيع بسعر التراب وعمليات سرقة علنية للثروات والبنى التحتية التي شيدها الاتحاد السوفيتي طوال سبعين عاما وقُدرت السرقات في عهد يلتسن بأنها فاقت ثلاثة آلاف ترليون دولار! أضف إلى ذلك أن البيع سيكون محصورا بالقطط السمان والفاسدين حديثي النعمة من عتاوي الأحزاب والعائلات السياسية الدينية، وفي أجواء الفساد وانعدام النزاهة المطلق. والحقيقة، فمكمن الخطر ليس في بيع ما تبقى من سكراب القطاع العام الذي لن يصل إلى عشر معشار القطاع العام السوفيتي أو المصري، خصوصاً بعد أن تُرك ليصدأ وينهب طوال العقدين الماضيين ويضم أكثر من 35 ألف مصنع، بل في عملية "بيع أصول الدولة".

 

بيع أصول الدولة

إنَّ هذه العبارة الملغومة تعني في ما تعني بيع حقول وآبار الثروة النفطية والغازية العراقية وهي في مكامنها في باطن الأرض إلى القطاع الخاص والشركات الغربية متعددة الجنسية العابرة للقارات. ولدينا محاولة سابقة لحكم الطائفية السياسية لخصخصة الثروة النفطية خلال محاولة تشريع ما سمي "قانون شركة النفط الوطنية في العراق"، والذي كان وراءه إبراهيم بحر العلوم وعادل عبد المهدي وعدنان الجنابي! وكان ذلك القانون يسمح بخصخصة حقول النفط والغاز. ولحسن الحظ، تصدى بعض الخبراء اليساريين المستقلين العراقيين في ميدان النفط وبمبادرة من الأستاذين فؤاد قاسم الأمير وماجد علاوي وعرقلا تنفيذ ذلك المخطط حيث حصلا على حكم ناجز من المحكمة الاتحادية العليا ببطلان عدد من مواد القانون لتعارضها مع الدستور العراقي النافذ.

 

وربما تشمل عبارة "أصول الدولة" التي يفكر الزيدي ببيعها إلى القطاع الخاص أشياء أخرى تعود ملكيتها إلى الدولة أو المجتمع غير حقول النفط والغاز كالآثار والأراضي والأنهار والبحيرات والموانئ والطرق والجسور والمطارات...إلخ!

 

-الخطوة الثالثة التي ينوي الزيدي تنفيذها هي تأسيس صندوق أطلق عليه "صندوق التنمية"، وهو صندوق اقتراض استثماري يقوم على الاقتراض الواسع من دول أجنبية مقابل فائدة عالية غالبا، ويختلف تماما عما تسمى الصناديق السياسية أو صناديق الأجيال.

 

وتفيد التسريبات إن المقصود تكرار التجربة المصرية في الاقتراض وبيع بعض أصول الدولة من جزر وموانئ إلى السعودية والإمارات، إلى جانب دفع فوائد ديون مصرية تصل إلى 28 مليار دولار سنويا، وتوريط العراق بديون خارجية باهظة إلى جانب تلك التي تثقل كاهله الاقتصادي حاليا. وإذا كان البعض قد يبرر للحكم المصري هذا السلوك -غير القابل للتبرير - بكون مصر فقيرة الموارد الطبيعية من نفط وغاز فكيف سيبرر حكام العراق وهو الدولة الخامسة عالميا في الاحتياطي النفطي والذي يحرق غازه في الجو مجانا؟!

 

تفنيد الخطوة الأولى

لدى مناقشته للخطوة الأولى التي يعتزم الزيدي القيام بها وهي رفع سعر الدولار إلى 170 دينار عراقي، طرح الخبير عبد الرحمن المشهداني سؤالا يقول: ولكن أين هي الدولارات لترفع الحكومة سعرها بعد أن انخفضت الكميات المصدرة من النفط إلى أدنى مستوى لها ولم يعد يأتي من العائدات سوى نصف مليار دولار شهريا أو أكثر قليلا، بعد أن كانت تفوق ستة مليارات دولار شهريا؟! إذن أنت لا تملك قوة التغيير لترفع أو تخفض قيمة الدولار. ثانياً، حتى لو أن الحكومة أعلنت في الإعلام عن رفع سعر صرف الدينار فإن القدرة الشرائية للدينار ستنخفض فورا بمقدار الثلث. وهذا ما وقع فعلا بعد التجربة السابقة لرفع سعر الصرف. أي أن المواطن سيخسر ثلث راتبه على الأقل بسبب موجة غلاء حادة وأكيدة. ويضيف المشهداني أن بعض التوقعات تفيد بأن الرواتب ستفقد ستين بالمئة من قيمتها ولا يبقى منها إلا 40 بالمئة.

 

يتفق الخبير د. نبيل المرسومي مع ما طرحه زميله المشهداني. ويدخل في التفاصيل فيقول إنَّ التوقيت غير مناسب تماما لرفع سعر صرف الدولار. وحتى لو افترضنا أن العراق يحصل على مليار دولار شهريا من عائدات النفط في ظل هذه الأزمة وإغلاق هرمز، وبعد أن تستقطع منه أقساط خدمة الدين الخارجي واستيرادات الحكومة من الكهرباء ومن الغاز والبنزين والسلع الأخرى وأيضاً ندفع منها نفقات جولات التراخيص فلن يبقى منه إلا نصف مليار وبالتالي لا يوجد هناك دولار تحتفظ به الحكومة لكي تحوله إلى الدينار. ولذلك فهذا التوقيت غير ملائم لتخفيض سعر العملة الوطنية لأنه سيعني ضريبة مجانية يدفعها بالنهاية الفقراء العراقيون! ومن الواضح أن مشروع الزيدي لا يتعلق بأزمة إغلاق هرمز وتوقف تصدير النفط ولكنهم وجدوا في هذا الحدث فرصة لتبرير تنفيذ هذا المشروع. علماً أنه في حال فتح مضيق هرمز فإن عودة العراق إلى كامل طاقته الإنتاجية والتصديرية السابقة من النفط تحتاج إلى ستة أشهر على الأقل.

 

يبدو جلياً أن النُّخَب الحاكمة، وسواء كانت من الإقطاع الكردي، أو أحزاب وشخصيات ومرجعيات "الشيعية السياسية" المستعدة للتحالف مع الشيطان مقابل أن تبقى متشبثة برئاسة الوزراء والوزارات الأمنية والأخرى "الدسمة"، أو تألفت من حديثي النعمة ووكلاء تركيا ودول الخليج من العرب السنة، فمن الواضح أن هذه النخب مستعدة لجعل العراق أرضا بلا بشر - على حدة التعبير المنسوب لصدام حسين قبل الاحتلال- على أن تترك الحكم لبديل عراقي استقلالي ديموقراطي ينتخبه الشعب بحرية أو تغير ركائزه وتعيد كتابة الدستور المكوناتي..

يتبع.