
مبدعون دون صداقات
أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)
الأردن
يجب أن تكون هناك علاقة صداقة بين المبدعين على الرّغم من إيماني العميق المؤسف بمقولة السابقين:" إنّ المعاصرة حجاب" بمعنى أنّ الحياة في فترة واحدة قد تمنع المرء في الغالب من التواصل مع أبناء جيله، كما تمنعه من تقدير منتجهم، وإنزالهم منازلهم التي تليق بهم،لاسيما في إزاء الانسحاب في الغالب إلى أدباء الماضي والسلف المنصرم، إلاّ أن القليل من المبدعين قد استطاعوا التغلّب على هذا الخطأ المعرفي الجسيم في التّواصل، وقد شرعوا في التّواصل مع المبدعين الآخرين من منطلق الإيمان العميق المخلص بأنّ الإبداع ليس له وطن، وأنّ الصداقة لا تعرف جنسية أو هوية أو لغة، وأنّ سماء الإنسانية تشمل الجميع قد دفعني للتواصل مع المبدعين في كلّ مكان وفي الحقول جميعها ومن سائر الجنسيات بل وبكلّ اللغات حيث يكون هذا التّواصل مساحة لتعلّم الأشياء الجميلة في ظلّ الأنفس الجميلة والنيات الطّيبة والمواهب الأصيلة.
لكن ما نجده واقعاً في المشهد الثّقافي العربي الآن ليس صداقات تُحترم قائمة على المحبة والمهنيّة والتواصل الإنسانيّ، بل هي شبكة عصابات ومافيات مصالح وشللية عنصريّة، وهي تقوم على مبدأ واحد،وهو تأمين مصالحها القائمة على الكذب والخداع، وإقصاء المواهب والأقلام المبدعة التي تهدّد وجودها القائم على الزّيف في حال أٌتيحت لها الفرصة العادلة في المشهد الثقافي بما تستحقّه من مساحة واهتمام وتقدير وتواجد.
من ناحية أخرى هذه العصابات حرمت المشهد العربي من حقّه في التّواصل مع الإبداع الحقيقي والمبدعين البناة الذين يمكن أن يقدّموا الكثير للإنسان والمجتمع العربي عبر تنويرهم الإبداعيّ والحضاريّ والإنسانيّ، وقدّموا لهم بدل ذلك نماذج مهزوزة وأقلام مكسورة وتجارب هشّة شوّهت ذائقيّة المتلقّي العربيّ، وأفسدت مساحاته الجماليّة، ودفعته إلى منظومة فاسدة من القيم والأفكار والمبادئ التي تقّدم لها عبر توليفة من العصابات الذين يبحثون عن المغنم الماديّ بعيداً عن أيّ مساحة من المسؤوليّة تجاه المجتمع وقضاياه وأولوياته.
الحقيقة أنّ هذه العصابات والمافيات الأدبيّة،إن جاز أنّ نسمّي ما يقدّمونه أدباً وإبداعاً- إنّما هي تُفهم في سياق الانحطاط العام الذي تعيشه الأمة العربية والإسلاميّة في الوقت الحاضر، بمعنى آخر أنّ هذا الزّمن هو زمن أولئك الأناس، ولن تتخلّص منهم السّاحة العربية إلاّ إبّان ثورة كاملة ونظيفة تتخلّص فيها من كلّ رموز فسادها بما فيها تلك العصابات، وهذا تصوّر ليس من السّهل أن نتوقّع حدوثه في القريب في ضوء معطيات الحاضر، ولكن الشيء الأكيد أنّ تلك العصابات لا يمكن أن تقدّم لأفرادها سوى المكسب المادي الآني، ولكنّهم يسقطون في الظّل بمجرد خسارتهم لمراكزهم في المافيات، أمّا الإبداع الحقيقي والمبدعون الحقيقيون هم من يكتب لهم الخلود في ضمير الأمة وفي سجلّ الإنسانيّة.
نتساءل دائماً أين هي نماذج الصّداقات الجميلة بين المبدعين التي يمكن أن نجعل منها أسوة في التّواصل والمحبة والتّقارب، ولكنّنا لا نجد أمثلة على ذلك إلاّ ما قلّ وندر، وفي المقابل نجد الصراعات الخارجة عن التنافس الشّريف والجدال العقلي والإصلاحي الرّصين، فنسمع بحروب مدمّرة على مستوى الإبداع والإنتاج بين من يسمّون أنفسهم مبدعين، ثم يكتبون لنا عن المحبّة والصّداقة والخير والجمال، ويطلبون منّا أن نصدّقهم وأن نتغاضى عن حروبه غير الشّريفة ومنافساتهم العارية من الأخلاق والمبادئ.
واقع المبدعين في الوقت الحالي هو واقع تطاحن وتناحر وتصالخ مافيات على حساب الإبداع الحقيقي، وفي الوقت ذاته لم نعد نسمع عن مبدع إنسان يتطلّع إلى التّعرف على المبدعين الآخرين، ويحرص على التعرّف على منتجاتهم الأدبيّة كي يدرك حقيقة مشاريعهم الإبداعيّة، ويرتقي بمشروعه وقلمه عبر الاستفاد من تجربة غيره وعطائه.تحن باختصار في حاجة إلى أخلاق وثقافة التواصل والمحبّة قبل أن نبحث عن مبدعين أو نكرّس حاضرين، نحن في حاجة حقيقيّة إلى تنظيف المشهد الإبداعيّ من المافيات والعصابات الثّقافية. وهيهات أن يحدث ذلك.
