
من رحم النضال/ 10
د. مزاحم مبارك مال الله
في هذا الاجتماع التاريخي تفتّقت ذهنيتي على كمٍّ هائل من أسس العمل التنظيمي. عرفتُ أن للاجتماع قدسيته؛ أي الالتزام بالموعد، والصمت وعدم مقاطعة المتحدث، والاستئذان بالكلام إلى أن يُسمح لك، والإنصات مع تسجيل ملاحظاتك على ورقة جانبية. كذلك الالتزام بالسرّية التامة لكل ما يدور، فما يُطرح في الاجتماع هو ملكٌ للاتحاد، ولا يحق للفرد أن يتصرّف بمفرده إلا في حدود مسؤوليته. كما يجب الالتزام بالقرارات حتى لو كنتَ معترضاً؛ فأبدِ رأيك بكل حرية، وإن رغبت يمكنك التحفّظ على أي قرار دون أن يتقاطع ذلك مع التطبيق. وبعد الاجتماع يجب التخلّص من كل الورقيات عدا محضر الاجتماع الذي يحتفظ به مسؤول الاجتماع ليسلّمه إلى الزميل المسؤول عنه. ناهيك عن الحذر الشديد من عيون السلطة في الحضور والانصراف.
في هذا الاجتماع عرفتُ كلمة (محضر)، حين أشار محمد إلى جودت أن يبدأ بكتابة المحضر. بقيت أراقب لأفهم ماذا يعني تدوين المحضر، ثم طلب مني محمد أن أجلس إلى جوار جودت لأنني سأكتب المحضر في الاجتماع القادم. وهكذا، في كل اجتماع يكون أحد الزملاء كاتباً للمحضر بشرط أن يكون خطّه مفهوماً.
الكلمة الثانية كانت (المشرف). كانت المرة الأولى التي أسمع فيها أن هناك زميلاً مشرفاً، إذ قال محمد في بداية الاجتماع "كان من المؤمّل أن يحضر زميل مشرف من سكرتارية مكتب الكرخ، ولكنهم أبلغوني بالتأجيل إلى اجتماع آخر."
لم يكن صعباً عليّ أن أفهم أن هناك هيكلية تنظيمية واسعة ومنظمة جداً، تبدأ من زملاء المدرسة، ثم مسؤول عنهم، ثم مجموعة مسؤولي مدارس، وصولاً إلى سكرتارية الكرخ وأخرى للرصافة، حتى أعلى المستويات. أدركتُ أن المهمة الوطنية التاريخية تزداد على عاتقك بقدر تقدّمك في الموقع الاتحادي.
ثم استمر محمد بحديثه عن مهامنا داخل المدرسة وكيف نكسب الطلبة، مع التأكيد على التفوق العلمي، فقال: "سأبدأ بنفسي وأطلب من الزميل مزاحم أن يدرّسني الإنكَليزية." فقلت: أنا حاضر.
وأكد ضرورة عدم الاحتكاك بجماعة الاتحاد الوطني لأنهم جماعة السلطة، وقال: "إن أعظم وسيلة في تقويضهم هي كسب الطلبة لاتحادنا وإقناعهم بنضالنا وأهدافنا."
وأخيراً أشار إلى: "من الضروري أن يعرف كل زميل زميله الآخر، وكونوا أصدقاء لعائلاتهم حتى لا تُثار أي مشاكل."
وأردف محمد قائلاً: "علينا جميعاً هضم والتشبّع بمبادئ الاتحاد ومنهجه وبرنامجه، فعدا ذلك لا يمكننا نقل هذه القناعات إلى زملاء آخرين، وهي الوسيلة الأهم لكسب الطلبة."
كانت هذه أول مرة في حياتي أمارس فيها نشاطاً من هذا النوع من التجمعات؛ فلم يسبق لي أن حضرت اجتماعاً سوى تلك المناسبات العائلية. لكن الأمر الذي ضايقني في هذا الاجتماع هو دخان السكائر المتصاعد من بعض الزملاء، خصوصاً الأكبر سناً. لذلك طلبت من محمد أن يفتح إحدى النوافذ قليلاً، فاستجاب لطلبي وطلب من الزملاء المدخنين أن يقلّلوا التدخين مع خفض الأصوات لأن إحدى النوافذ قد فُتحت.
(يتبع)
