للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1456)

فكرة مختصرة عن المقام العراقي

 

 

         كتب من كتب عن الفن الرجولي(هامش1)، وادلى دلوه من احسَّ ان الامانة توجب عليه ان يثري ويغني المكتبة العربية والمكتبة العراقية على وجه الخصوص. ولما كان الفن النبيل او الفن الرجولي  هذا، واعني بهفن(غناء وموسيقى المقام العراقي) قد تهادت الغيوم حول نشأته الاولى وهبت العواصف حول ترعرعه وتبخترت الامواج حول صمده وبقائه شامخاً. ولما كان القرن الحادي والعشرون قد جاءنا محمولا على صواريخ الفضاء الخارجة عن تصور عقول البشر، فما بالنا ان كان القرن العشرون قد وصف بعصر السرعة وبدأ القرن الحادي والعشرون يوصف منذ بدايته بعصر الالكترون الذي لااعتقد انه سيبقى عند هذه الصفة بل ستزداد صفاته بتطور العلم التكنلوجي المذهل..! منذراًبأن السرعة المتزايدة هي الصفة الابرز  وان نوع وكم الانتاج الفني هو المعيار الوحيد للبقاء في  الساحة. فلا وقت لتضييعه ولامجال للذوق ان يتحكم كما يحلو له وينتقي بدلال وهدوء ما ترنو اليه خلجاته الهيمى ووجدانه الخجل.

ان فن الموسيقى والغناء في أي عصر من العصور، هو انعكاس لحياة المجتمع وتعبير عنه. صور صادقة، لها قيمتها في نقل هذه التأملات والانفعالات والتطلعات من زمن إلى آخر ومن جيل لآخر.فالموسيقى والغناء بصورة عامة، والمقامات العراقية او الأغنية الفولكلورية التي يُطلق عليها أسمبستة(هامش2) وهي أغنية بسيطة البناء اللحني، لكنها تعبِّر عن مشاعر المجتمع من خلال المغني بآنية وتلقائية خاصة. تحوي كل ظروف البيئة وتعبِّر عنها. ولما كانت هذه البيئة تعرِّف الغناء والموسيقى اذ تعطيهما شكلاً ومضموناً تعبيرياً خاصاً. فقد كان لهيبتها وجلالها التأثير البالغ في نفوس وجماليات وذوق المجتمع. حيث تميزه عن غيره من المجتمعات الاخرى.على أساس أن الأنسان أبن بيئتهِ. ولذلك نرى أن فنان التراث عموماً يحسُّ دوماً بأنه على دراية بشيء جليل. يمتلك من الذوق رفيعه ومن الشهامة فروسيتها ومن الرجولة صفاتها الاخلاقية. فعندما يمارس الفنان تراثه، يحس بالتحليق حيث يضيف لمسة ملائكية تتلظى بين جوانحه لتتوهج بين ثنايا صوته فيخرج كالماء الزلال الرقراق يقطر نداً وشفافيه. ولذلك نخلص إلى القول أن الفنان البيئي الأصيل يمتلك الورقة الرابحة في أداء تراثه.

ماهو المقام العراقي إذن..؟ وماهو جوهره..!؟ اعتقد ان هذا الموضوع من أعقد المواضيع واصعبها. وربما اسهلها في نفس الوقت..! لأنه في الحقيقة لايوجد أي رأي ثابت أو رأي موحَّد يبيّن جوهر هذا الموضوع..! فقد صاحب تعريف المقـام العراقي اجتهاد شخصي، تأثر بمؤثرات متنوعة. لذا رأى البعض أن(تعريف المقام العراقي) يعدُّ موضوعاً معقداً وصعباً. بينما رأى البعض الآخر، انه سهل يسير، لاداعى إلى الإيغال في فلسفة لا يحتملها هذا التراث العريق. ولسنا هنا في معرض استعراض تفاصيل وتعاريف تبيِّن ماكتب وماتحدث به النقاد والمتخصصون. بل سنحاول فقط أن نعطي تحديداً وتعريفاً شاملاً لهذا التراث الغنائي.

(يسود الاعتقاد ان المقام العراقي عبارة عن مجموعة أجناس موسيقية وغنائية تتصل ببعضها البعض لتكوين قوانين وعناصر وأصول حُلَّتْ ألغازها..! بيْد أن المقام العراقي إضافة إلى وجود هذه الأجناس هنا وهناك في غنائه. يعتبر نمطاً معيناً من النظام الدقيق ذي الاصول الغنائية الرصينة، وهـو عمل حسّي تمتزج مكوناتـه جميعاً للحصول على الوحدة المتكاملة في بنائه وقابل للتطوير).

     هذا إذن نموذج شمولي في سياق التعريف بالمقام العراقي.وعلى كل حال، تتكوَّن شكل  موسيقى وغناء المقام العراقي"الفورم"(هامش3) بصورة عامة من خمسةِ عناصرَ أَساسيةٍ يعتمد عليها كلُّ مقام على حدة في بنائه اللَّحني والموسيقي وهذه العناصر هي:

1-   التحـــرير: يقصد بهذه المفردة، البداية او الإِستهلال لغناء أَحدِ المقامات، ويأتي هذا الاستهلال غالباً بكلماتٍ أَو الفاظٍ خارجةٍ عن النص الشعري المُغنّى مثل أَمان .. أَمان.. أَو  ويلاه .. ويلاه .. إِلخ، ويعتبر التحرير نموذجاً لحنياً متكاملاً لروحية وتعابير وثيمة المقام العراقي المُغنّى.

2-   القـِطَعْ والأَوْصال: ويقصد بهاتين المفردتين إِصطلاحا، بالتنوع السلَّمي أي التحولات السُّلَّمية أَو الأَجناس الموسيقية ضمن علاقات لحنية متماسكة والعودة دائما الى سلَّم المقام المُغنّى(السلَّم الأَساس _ الميلودي) وهذه التحولات أو القطع ذات أشكال ثابتة ومحددة في مساراتها اللحنية في غالب الأَحيان.

3-   الجلـــسة: وهي النزول الى الدرجات الموسيقية المنخفضة بأُسلوب القرار، ولكن بمسار لحني محدد ذي شكل معين يكاد أَن يكون ثابتاً، أي ليس أي نزول او أي قرار يعني الجلسة بالضرورة، حيث تشير هذه الجلسة للموسيقيين أَو توحي للمستمعين أَيضا على انه ستأتي طبقات عالية من الغناء أي الجواب أَو أَكثر من الجواب. وكأنه(فعل ورد الفعل) أي لابد من حدوث هذه الجوابات.        التي تأتي أَيضا بمساراتٍ لحنيةٍ محدَّدَةٍ وبشكل معين ليس أي جواب أَيضا .. وتسمى هذه الجوابات بـ - الميانة – وهي العنصر الرابع.

4-   الميـــانة: ويأتي غناؤها بطبقةٍ صوتيةٍ عاليةٍ بعد الجلسة مباشرة، ذات شكل ومسار لحني معين ثابت، وهذه الجوابات(الميانات) هي رد فعل للجلسة وميزتها ثبات مسارها اللحني. حيث يمكن ان تأتي صيحات غنائية عالية حسب مزاج المغني لمتطلبات غنائه، لاعلاقة لها بمقومات الميانة التي قلنا ان مقوماتها ثبات مسارها اللحني.فالصيحات العالية من الغناء تكون حرّة يستسيغُها المُغَنّي حسب مزاجه الآني، لا علاقة لها بموضوع الميانة خلال غنائه للمقام لأَنَّها لا تمتلكُ مقوماتِ الميانة في ثبات مسارها اللحني.

التَّســليم: وهو نهاية المقام العراقي المغنى، ويأتي غالبا بألفاظٍ أَو كلماتٍ غنائيةٍ خارج النص الشعري، شــــــأنُه في ذلك شأن ما يحدثُ في العنصر الأَوَّل"التحرير".

عمّان مايس 2015.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

 - الفن الرجولي هنا لايقصد بها تحديد الجنس رجل او امرأة ، بل المقصود بها الصفة الاخلاقية الرجولية في الكرم والوفاء والمروءة وغيرها من الصفات الاخرى . وعندما نريد تحديد الجنس فاننه يمكننا القول الفن الرجالي او الفن النسائي في غناء المقام العراقي .

2- البسته :- كلمة فارسية معناها ( الرابط ) وهي من الأغاني الخفيفة المرحة ملحقة بالمقام العراقي الذي يغنيه المغني فهي ملحقـة بالمقام المغنى ( رشيد ، د. صبحي انـور ، الالات الموسيقية المصاحبه للمقام ، ط أولى ، بغداد ، 1989 ، ص94 ) – وكذلك قال الفنان د.عادل امين خاكي عند مناقشته لاحد طلبة الماجستير في كلية الفنون الجميلة قسم الموسيقى في 20 /3 /2002 عن مفردة البسته على انها تعني لحن .  – المؤلف –

3-  الفورم نقصد به علم الاشكال الموسيقية.

 

 

صورة واحدة / حسين الاعظمي يوقع كتابه (حكايات ذاكرة صورية) في كاليري انعام الاورفلي بعمّان 26 /10 /2015.