للذهاب الى صفحة الكاتب   

الألم يوحّد العراقيين… حلبجة صفحة مضيئة في سجل الإنسانية

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

في لحظات الحزن الكبرى، حين تتراجع التفاصيل الصغيرة أمام ثقل الفاجعة، تتكشف المعادن الأصيلة للشعوب، ويظهر ما تختزنه المجتمعات من قيم إنسانية راسخة تتجاوز الخطابات والشعارات. فالمحن ليست مجرد أحداث عابرة في حياة الأمم، بل هي مرآة صادقة تعكس عمقها الأخلاقي، وقدرتها على التراحم والتضامن، وإعادة تعريف معنى الانتماء المشترك.

 

وفي هذا السياق، جاء المشهد الإنساني الذي شهدته مدينة حلبجة ليقدم مثالاً بالغ الدلالة على وحدة الألم العراقي، حين استقبلت المدينة والد الطفلة الكربلائية (رقية) بعد رحيلها المأساوي، في موقف تجاوز حدود التعزية التقليدية ليصبح رسالة وطنية وإنسانية عميقة، مفادها أن الحزن حين يكون صادقاً، يصبح لغة جامعة، وأن الألم يمكن أن يكون أحد أقوى عوامل التلاقي بين البشر مهما اختلفت مدنهم أو تنوعت انتماءاتهم.

 

إن ما جرى في حلبجة لم يكن مجرد فعل تعاطف عابر، بل كان تجسيداً حياً لفكرة (الوطن المشترك) بمعناها الأخلاقي والوجداني، حيث تتداخل المشاعر قبل أن تتقاطع المصالح، وتلتقي القلوب قبل أن تلتقي المواقف. لقد بدا واضحاً أن الفاجعة لم تُقرأ بوصفها حدثاً فردياً، بل بوصفها جرحاً إنسانياً مفتوحاً، يخص الجميع دون استثناء.

 

لقد عبر أهالي حلبجة، بمختلف مكوناتهم، إلى جانب السيدة (نوخشة صالح) محافظ حلبجة، عن قيم راسخة من الوفاء والتراحم والتكافل، وهي القيم التي طالما شكلت جزءاً أصيلاً من الذاكرة الأخلاقية للشعب الكوردي، بل وللشعب العراقي عموماً. كانت الورود التي قُدمت، والكلمات التي قيلت، والدموع التي سالت، أبلغ من أي خطاب سياسي أو بيان رسمي، لأنها خرجت من عمق الشعور الإنساني، لا من سياق المجاملة أو البروتوكول.

 

ولعل الأثر الأعمق في هذا المشهد يتمثل في كونه أعاد التذكير بأن العراق، رغم ما مر به من انقسامات وصراعات وآلام، ما يزال قادراً على إنتاج لحظات نقية تعيد الثقة بالإنسان قبل كل شيء. ففي لحظة فقد الطفلة رقية، لم تكن الهويات الفرعية حاضرة بقدر ما حضرت الهوية الإنسانية الجامعة، التي تذوب أمامها المسافات بين كربلاء وحلبجة، وبين الجنوب والشمال، وبين كل المدن التي يجمعها وطن واحد ووجع واحد.

 

إن مشاركة المواطنين، والشرطة، والبيشمركة في عمليات البحث والمساندة، لم تكن مجرد إجراءات ميدانية، بل كانت تعبيراً عملياً عن معنى التضامن الحقيقي، ذلك التضامن الذي لا يعلن في البيانات، بل يمارس في الميدان، حين يصبح الألم مسؤولية مشتركة، والإنقاذ واجباً إنسانياً لا يعرف الحدود.

 

وفي هذا السياق، يمكن القول إن ما جرى قدم درساً بالغ الأهمية في معنى المواطنة الحقيقية، تلك المواطنة التي لا تختزل في الانتماء الإداري أو السياسي، بل تتجسد في القدرة على الشعور بالآخر، ومشاركته ألمه، والوقوف إلى جانبه في لحظة الانكسار الإنساني.

 

لقد كشفت هذه الواقعة أن المحبة والرحمة ما تزالان أقوى من كل ما يفرّق الناس، وأن الوجدان العراقي، رغم تراكمات السياسة والاختلاف، ما يزال يحتفظ بقدر عالٍ من الصفاء الإنساني الذي يظهر في اللحظات الحرجة. فحين يحضر الموت، تتراجع كل العناوين، ويبقى الإنسان هو العنوان الأسمى.

 

إن ما قامت به حلبجة في هذه المناسبة المؤلمة يستحق أن يُسجل بوصفه صفحة بيضاء في تاريخ الأخوة الإنسانية داخل العراق، صفحة لا تُقرأ فقط بوصفها حدثاً عاطفياً، بل بوصفها قيمة أخلاقية يمكن البناء عليها في ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية الحقيقية. فالأوطان لا تُبنى فقط بالسياسة والاقتصاد، بل تُبنى أيضاً بالمواقف النبيلة التي تعيد تعريف معنى العيش المشترك.

 

وفي نهاية المطاف، يبقى هذا المشهد شاهداً على حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الألم حين يُشارك، يصبح أخف، وأن الإنسانية حين تتجلى، تجعل من الفاجعة فرصة لإعادة اكتشاف ما هو أجمل فينا. لقد كان الحزن واحداً، والدعاء واحداً، والوفاء واحداً… وهكذا فقط تُكتب معاني الوطن حين يكون الإنسان هو جوهره الأول والأخير.