للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال /13

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

بعد أن كسبتُ (هـ)، صديقَ العمر، إلى الاتحاد، شعرتُ أني أقوم بمهمة وطنية كبرى لا تقل شأنًا عن مهمة الذين وقفنا حدادًا على أرواحهم الطاهرة بعد 8 شباط الأسود.

وبدت لي مهمة كسب (ع) أسهل بكثير، حيث تمرّستُ باستخدام الكلمات وطريقة الاقتراب من نفسية الطالب المعني.

كان (ع) يرتاح لي ويشعر أنه قريب مني؛ فأخوه مثقف بارع وناقد فني معروف ومشهور بين الأوساط الأدبية، وهو (ق/ الشهيد لاحقًا). وصادف أن تكون ولادة ابن أخيه البكر في أيام مفاتحتي له بالانضمام إلى الاتحاد، ليخبرني أن أخاه قد رُزق بولد أسماه باسم مركب من (ر. س).

كان بيتنا يحتوي على أضخم مكتبة (وهي بالحقيقة مكتبة أخي الكبير حسني)، والتي أصبحت لاحقًا أكبر مكتبة شخصية في العراق، حيث احتوت على أمهات الكتب والمخطوطات ومئات ألوف المؤلفات، حتى اضطر أخي لاحقًا إلى أن يبني لمكتبته طابقًا من غرف عدّة، ليستوعب هذا الكم الهائل من الكتب.

وكان (ع)، صديقي، مولعًا بالكتب والمخطوطات، وكان شخصيًا موهوبًا بالخط الجميل جدًا، وأخبرني أن جدّه كان نسّاخًا بارعًا ولديه مجموعة من المخطوطات، وأهداني واحدةً أو أكثر ـ لا أتذكر ـ منها، ومباشرةً أعطيتُها لأخي حسني الذي أبدى إعجابه بها.

تمكنتُ من كسب (ع) للاتحاد أيضًا، ولم ألقَ عناءً، فهو من عائلة تقدمية رائعة ذات إرث وطني مشرّف.

أخبرتُ محمد بالموضوع، وكان منبهرًا، وطلب مني مهلةَ بضعة أيام للسؤال عن (ع)، وكما حصل مع (هـ)، فبعد خمسة أيام جاء الجواب بالموافقة.

أما الطالب الثالث فهو (س)، وكان يأتي يوميًا إلى بيتنا كي يصحبني معه إلى المدرسة على دراجته الهوائية.

سابقًا، حينما نكون معًا، جلُّ حديثنا كان يدور عن المدرسة والدروس، ولكن بعد أن انتميتُ إلى الاتحاد صار حديثنا عن واقع الطلبة ومعاناتهم. لم أكن أعلم أن (س) ذا توجهات يسارية إلا في يوم سألني:

     "أين كنتم، مزاحم، قبل أن تسكنوا هنا في البياع؟"

فقلتُ:

     "في البياع نفسها، ولكن في مكان آخر؛ كنا في شارع 5، والآن في شارع 13".

فباغتني قائلاً:

     "نحن نزلنا من السليمانية بعد إعدام أبي!"

هكذا قالها دون تردد أو خوف أو توجس، وربما كان سبب ذلك أنه يحبني ويثق بي. وقبل أن أبادره بالسؤال المتوقع: «لماذا أعدموه؟»، قطع عليّ الطريق مستكملاً:

     "لأنه شيوعي!"

ثم سألني:

     "وأنتم، هل لديكم شيوعيون؟"

لم أجبه، وتظاهرتُ بأني لا أفهم سؤاله، أو أني مشغول بأمرٍ ما، أو أني لم أسمع سؤاله.

وعرفتُ أنه كردي من أهالي السليمانية، وطلب مني أن يبقى هذا الكلام طيَّ الكتمان.

فاتحتُه بالانتماء إلى الاتحاد، منطلقًا من أن الاتحاد شيء، والحزب شيء آخر، فوافق على الفور، شرط أن يكون هذا الاتحاد لا علاقة له بالسلطة، كما قال.

(يتبع)