للذهاب الى صفحة الكاتب   

الصراع على الوعي أم الصراع على شروط إنتاجه؟

قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين وأزمة اليسار العراقي

يونس متي

 

أثار مقال الصديق زكي رضا المعنون "الصراع الطبقي وإنتاج الوعي" (*) قضية مهمة تتعلق بطبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي في العراق، ولفت الانتباه إلى دور المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية في تشكيل الوعي وإعادة إنتاجه. وهي قضية تستحق النقاش الجاد، خصوصاً في ظل التراجع الكبير الذي تعانيه القوى المدنية واليسارية مقابل اتساع نفوذ القوى الإسلامية داخل المجتمع والدولة. غير أن أهمية الموضوع لا تعفي من ضرورة إخضاع بعض استنتاجاته للنقد والمراجعة، من أجل الوصول إلى فهم أكثر شمولاً لطبيعة الصراع الدائر في العراق.

 

لا خلاف على أن الصراع الطبقي لا يقتصر على المجال الاقتصادي، وأن السيطرة على وسائل إنتاج الوعي تمثل جانباً مهماً من جوانب الهيمنة الاجتماعية. فقد بيّن المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أن الطبقات المهيمنة لا تحكم بالقوة المادية وحدها، بل من خلال إنتاج منظومة من الأفكار والقيم والمعايير التي تجعل هيمنتها تبدو طبيعية ومقبولة. ومن هذه الزاوية يصح القول إن المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية ليست مؤسسات محايدة، بل تلعب دوراً مباشراً في تشكيل الوعي الاجتماعي.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاستنتاج الصحيح إلى تفسير شبه كامل للواقع. فالمقال يقترب أحياناً من اعتبار أن نفوذ الإسلاميين في العراق هو نتيجة نجاحهم في السيطرة على وسائل إنتاج الوعي، بينما تبدو العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى في موقع ثانوي. والحال أن أي تحليل جاد للواقع العراقي يبين أن صعود الإسلام السياسي لم يكن نتاج الإعلام والخطاب الديني فقط، بل كان أيضاً نتاجاً لأزمات عميقة عاشها المجتمع والدولة.

 

لقد جاء صعود الإسلاميين في سياق انهيار مؤسسات الدولة بعد عام 2003، وتفكك البنى الاجتماعية التقليدية، واتساع الفقر والبطالة، وتراجع الطبقة الوسطى، وانتشار مشاعر الخوف وعدم الاستقرار. وفي ظل هذا الفراغ تمكنت الأحزاب الإسلامية من بناء شبكات واسعة من الرعاية الاجتماعية والخدمات والعلاقات الزبائنية، إضافة إلى استثمارها للانتماءات الطائفية والهويات الفرعية التي تفجرت بقوة بعد سقوط النظام السابق. ولذلك فإن نفوذها لم يكن ثقافياً فقط، بل كان اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً أيضاً.

 

لذلك فإن تفسير قوة الإسلاميين من خلال مفهوم "الهيمنة الثقافية" وحده يبقى تفسيراً ناقصاً. فالأفكار لا تنتصر بسبب قوتها الذاتية فقط، بل لأنها تجد بيئة اجتماعية تسمح لها بالانتشار والتجذر. والوعي نفسه لا يتشكل داخل المدرسة أو وسائل الإعلام فحسب، بل يتكون أيضاً داخل ظروف الحياة اليومية وعلاقات العمل والبنى الاجتماعية وشبكات المصالح والانتماءات المختلفة.

 

من جهة آخرى، يركز المقال بصورة كبيرة على قوة الإسلاميين، لكنه لا يمنح القدر نفسه من الاهتمام لأزمة اليسار الذاتية. فمن الصحيح أن اليسار تعرض لحملات قمع طويلة وخسر الكثير من قواعده الاجتماعية، لكن هذا لا يفسر وحده تراجعه الراهن. فقد ساهمت عوامل داخلية عديدة في إضعافه، من بينها الجمود الفكري، وضعف الديمقراطية الداخلية، والانقسامات التنظيمية، والابتعاد التدريجي عن هموم الناس اليومية، إضافة إلى استمرار بعض أشكال الخطاب النخبوي الذي عجز عن بناء جسور حقيقية مع الأجيال الجديدة.

 

إن أزمة اليسار لا تتمثل فقط في خسارته معركة الوعي، بل في خسارته جزءاً من حضوره داخل المجتمع نفسه. ولهذا فإن استعادة دوره لا يمكن أن تتحقق بمجرد إنشاء مؤسسات ثقافية أو إعلامية بديلة، على أهمية ذلك، بل تحتاج إلى مشروع اجتماعي وسياسي قادر على تمثيل مصالح الفئات المتضررة من النظام القائم، وربط النضال الثقافي بالنضال الاجتماعي والاقتصادي والديمقراطي.

 

كما أن اختزال المعركة في مواجهة بين اليسار والإسلاميين قد يحجب تعقيدات الواقع العراقي. فالمجتمع لا ينقسم اليوم إلى معسكرين متقابلين فقط، بل يضم طيفاً واسعاً من القوى الاجتماعية والفكرية والمدنية والشبابية التي تبحث عن بدائل جديدة خارج الاستقطابات التقليدية. ولذلك فإن مهمة القوى الديمقراطية لا تقتصر على مواجهة الخطاب الإسلامي، بل تشمل أيضاً تقديم نموذج مختلف للدولة والمواطنة والتنمية والعدالة الاجتماعية.

 

إن الصراع على الوعي يظل ميداناً أساسياً من ميادين الصراع الاجتماعي، لكن الوعي لا يُنتج بمعزل عن الواقع المادي. ولهذا فإن بناء بديل ديمقراطي حقيقي يتطلب الجمع بين العمل الثقافي والعمل الاجتماعي، وبين إنتاج الأفكار وبناء الحركات الاجتماعية، وبين نقد الهيمنة القائمة وتقديم حلول ملموسة لمشكلات الناس.

 

إن التغيير في العراق لن يتحقق عبر كسب المعركة الثقافية وحدها، كما لن يتحقق عبر الاحتجاج السياسي وحده. فالرهان الحقيقي يكمن في بناء مشروع وطني ديمقراطي قادر على توحيد القوى المتضررة من نظام المحاصصة، وربط النضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية بالنضال من أجل بناء وعي نقدي مستقل. عندها فقط يمكن أن تتحول الثقافة من أداة للدعاية إلى قوة فاعلة في التغيير الاجتماعي والسياسي.

 

(*) مقال الصديق زكي رضا :

https://www.tellskuf.com/index.php/mqalat-wara/124250-1661515