
كنيسة أور.. مخاوف لا داعي لها
حسين باجي الغزي
في كل مرة يحاول العراق أن يخطو خطوة نحو الانفتاح الحضاري واستعادة مكانته التاريخية، تظهر أصوات تنظر إلى المشاريع الثقافية والسياحية بعين الريبة والشك، وكأننا ما زلنا أسرى الخوف من الآخر بدلاً من الانشغال بمواجهة التحديات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع. ومنها ازمه الخدمات. والحقيقة أن معركة العراقيين اليوم ليست مع كنيسة أو مسجد أو معلم ثقافي، بل مع الفساد والتخلف والبطالة وسوء الخدمات وكل ما أعاق مسيرة التنمية لعقود طويلة.
ومن هذا المنطلق، أجد أن الجدل المثار حول كنيسة أور لا يستحق كل هذا القلق، فالمشروع لا يستهدف عقيدة أحد ولا ينتقص من هوية المجتمع، بل يأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إبراز مكانة مدينة أور بوصفها واحدة من أهم المدن التاريخية في العالم، وموطناً للإرث الإبراهيمي الذي يجمع أتباع الديانات السماوية.
إن وجود كنيسة في مدينة أور السياحية، إلى جانب المسجد المراد إنشاؤه مستقبلاً، يمثل رسالة حضارية تعكس الترابط بين الأديان السماوية المرتبطة بالإرث الإبراهيمي الذي تُنسب إليه مدينة أور في الروايات التاريخية المتداولة. ومن هنا فإن تخصيص مكان عبادة للمسيحيين القادمين إلى هذه المدينة يعد خطوة منسجمة مع طبيعة المشروع وأهدافه.
أما ما يتعلق بالتصميم المعماري للكنيسة، فليس من الضروري أن يحاكي عمارة حضارة وادي الرافدين أو المعابد السومرية، إذ إن الحفاظ على الهوية المعمارية المعروفة للكنائس أمر طبيعي ومتعارف عليه عالمياً. فالمهم هو أن تؤدي المنشأة رسالتها الروحية والثقافية ضمن فضاء مدينة أور السياحية.
لقد أُنشئت مدينة أور السياحية لتكون نافذة يطل منها العالم على واحدة من أعرق مدن الحضارة الإنسانية، ومركزاً للتعريف بتاريخ بلاد الرافدين وإسهاماتها الفكرية والثقافية والدينية. ومن هذا المنطلق، فإن احتضانها لرموز ومواقع تعكس التنوع الديني الذي عرفه العراق عبر تاريخه الطويل ينسجم تماماً مع فلسفة المشروع وأهدافه.
وتكتسب كنيسة أور أهمية رمزية خاصة، فمدينة أور تُعد في الوعي الديني والتاريخي موطن النبي إبراهيم عليه السلام، الشخصية الجامعة التي تحظى بمكانة رفيعة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود. لذلك فإن وجود الكنيسة في هذا الموقع يحمل رسالة واضحة تدعو إلى الحوار والتفاهم والتقارب بين أتباع الديانات المختلفة.
كما أن العراق يشهد منذ سنوات جهوداً متواصلة لتعزيز التعايش السلمي وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل بين مكوناته الدينية والقومية، ويأتي هذا المشروع في سياق تلك الجهود التي تسعى إلى تقديم صورة حضارية عن البلاد أمام العالم.
ومن المهم الإشارة إلى أن الدولة أنفقت مليارات الدنانير على تطوير مدينة أور السياحية وتحويلها إلى وجهة ثقافية ودينية عالمية قادرة على استقطاب الزوار والسياح والباحثين من مختلف الدول. لذلك ليس من المنطقي أن تُواجَه هذه الجهود بدعوات تشكك بالمشروع أو تسعى إلى إضعافه عبر طروحات منبرية متشددة، في وقت يفترض فيه أن تتجه الطاقات إلى دعم المشاريع التي تعزز صورة العراق وتفتح له آفاقاً اقتصادية وسياحية جديدة.
إن المخاوف التي تُثار بشأن كنيسة أور تبدو مبالغاً فيها، لأنها تتجاهل حقيقة أن المشروع قائم على فكرة التقارب بين الأديان والاحتفاء بالإرث الإنساني المشترك، وليس على التنافس أو الإقصاء. ومن هنا فإن دعم هذا المشروع لا يتعارض مع الهوية الدينية للمجتمع، بل يعكس ثقة العراقيين بتاريخهم وحضارتهم وقدرتهم على احتضان التنوع.
وفي الختام، فإن كنيسة أور تمثل رمزاً للتسامح والتعايش والمحبة، ومنجزاً حضارياً يضاف إلى رصيد العراق الثقافي والسياحي. ومن الواجب اليوم تكثيف الجهود الإعلامية للتعريف بهذا المشروع والتسويق له محلياً ودولياً، إلى جانب توفير الحماية الأمنية اللازمة له، حفاظاً على رمزيته ومنع أي محاولات قد تستهدف إثارة الفتنة أو النيل من حالة التعايش التي يعتز بها العراقيون.
...
