
"الوطني".. الفكرة النبيلة والواقع المشين؟!
هايل علي المذابي
اليمن
يظل مفهوم "الوطني" أحد أكثر المصطلحات إثارة للجدل في الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر؛ إذ لا يقف عند حدود التعريف اللغوي، بل يمتد ليشتبك مع السياقات الثقافية والأمنية للشعوب. وتتجلى في هذا السياق مفارقة حادة في دلالة القيمة والمعنى بين الغرب المستقر والدول النامية التي تعيش أزمات وجودية كاليمن.
وعن الدلالة "الوطنية" في الفكر الغربي، من حيث الرفاهية والأمان، ينقل لنا في كتابه العمدة "الحداثة السائلة"، عالم الاجتماع "زيجمونت باومان" أطروحة ليشيك كولاكوفسكي التي تفصل بدقة بين "النزعة القومية" الشوفينية و"الوطنية" النبيلة. فالقومي يرى أمتّه ضحية مؤامرة دائمة من الغرباء، ويعبر عن وجوده بالعدوان وكراهية الآخر. أما الوطني، فيمتاز بالتسامح الكريم مع التنوع الثقافي، والأقليات الدينية، ويمتلك الشجاعة لإسماع أمته الحقائق المُرّة التي لا تحب سماعها.
لكن باومان يضع يده على حقيقة جوهرية:
"إن هذا التسامح والشجاعة في قول الحق هما سمات تنتشر في مجتمعات آمنة أماناً كافياً داخل المواطنة الجمهورية، فلا ينتاب أهلها قلق بشأن الوطنية باعتبارها مشكلة أو مهمة طارئة."
هنا، تتحول الوطنية في الغرب من "معركة بقاء" إلى "منظومة قيم حقوقية ومؤسسية". ولعل أبرز دليل على الرسوخ المؤسسي للمفهوم في الغرب هو تمثله في القوة التكنولوجية؛ فكلمة Patriot (الوطني) المنحدرة من الأصل اليوناني القديم patriōtēs (ابن الوطن)، جرى تطويعها عسكرياً عبر ما يُعرف لغوياً بـ (Backronym) ليُصاغ منها الاختصار الهندسي لمنظومة الدفاع الجوي الأمريكية الشهيرة:
Phased\ Array\ Tracking\ Radar\ Intercept\ Of\ Target
إن هذا الدمج بين الرمزية الوطنية والقوة العسكرية التكنولوجية يعكس وطنية مرتاحة، واثقة، ومحمية بالسيادة الردعية، حيث المواطن لا يحتاج لإثبات ولائه يومياً لأن الدولة كمؤسسة تكفلت بحمايته وحقوقه، وليس ذلك فحسب بل إن توظيف الكلمة عسكريا ونقلها من جوها المعنوي إلى ساحة الحروب يعد تجريدا بليغا لما يمكن أن يعنيه أن يكون المواطن وطنيا في الغرب، تحت ظل الديمقراطية المتسامحة مع التعددية بكافة أشكالها ومستوياتها ومعنى الحرية التي يتمتع بها الأفراد سواء في اعتناق ما يشاؤون من آراء وأفكار وعقائد أو في قول الحق، في ظل قانون عادل يحمي الجميع ويحافظ على حقوقهم أيا كان رأيهم أو لونهم أو معتقدهم أو حزبهم أو غير ذلك من اختلاف.
وعلى النقيض تماماً، يتخذ مفهوم "الوطني" في الدول النامية، وفي اليمن تحديداً، دلالة مغايرة ودراماتيكية. في مجتمعات تطحنها الصراعات السياسية والحروب الأهلية، وتغيب فيها المأسسة الجادة لـ "المواطنة الجمهورية"، تصبح الوطنية "مشكلة يومية ومهمة طارئة" بتعبير باومان.
في هذه البيئات المأزومة، تفقد الأطروحات الفكرية النبيلة قيمتها؛ فالسمات الغربية للمواطن الوطني (كالتسامح مع الاختلاف، ونقد الذات، والشجاعة في قول الحق) لا تُفسر هناك كعلامات نضج، بل تقع في فخ التخوين. إن أغلب الذين يملكون "إخواناً وطنيين" في بيئة مشحونة سينتقدون هذه السمات بقسوة، ويسِمونها بـ "الخيانة القومية" أو العمالة للخارج؛ في حين أن التعصب للقبيلة أو الحزب السياسي أو المذهب الديني يعد غاية الولاء والوطنية بالنسبة للفرد في نظر الجماعة، كما أنه كافٍ لحصول الأفراد على أمنهم وحقوقهم كاملة على كافة الأصعدة والمستويات.
إن التناقض بين معنى "الوطني" في الغرب ومعناه في الدول النامية كاليمن، هو الفرق بين "الفكرة النبيلة والواقع المشين". فبينما يمثل الوطني في الغرب صمام أمان قوامُه نقد الأخطاء وقبول الآخر تحت مظلة قانونية تكنولوجية تحميه، يتحول الوطني في واقعنا النامي إلى كائن ملاحق، تُقاس وطنيته بمدى تسليمه التام للسائد، لتصبح "الوطنية" أداة فرز وإقصاء بدلاً من أن تكون جامعاً وملاذاً.
