
ثنائية طبيعة المرحلة
أسامة خليفة
كاتب فلسطيني
القول أننا في فلسطين مازلنا في مرحلة التحرر الوطني، ذلك لا يمنع مراجعة طبيعة المرحلة، وما هي مهامها الراهنة ؟. تلك الفترة التاريخية الممتدة عبر 61 عاماً منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة حتى الآن، ركزت على إنهاء الاحتلال، والظفر بالاستقلال، وتقرير المصير، والعمل على بسط السيادة الوطنية على الأراضي والحدود الفلسطينية والمنافذ البرية والبحرية والجوية، واعتمدت حرب الشعب طويلة الأمد المبنية على ثلاثية الكفاح المسلح والنضال الجماهيري والنضال السياسي وسيلة لاستعادة الحقوق.
وبعد توقيع اتفاقية أوسلو برز اعتقاد أن طبيعة المرحلة تتمثل في بناء مؤسسات الدولة، وأن الحكم الذاتي القائم على أوسلو مرحلة انتقالية نحو الدولة المستقلة، فبعد 33 عاماً من اتفاقية أوسلو يفترض أن هذه المرحلة قد حققت تقدماً ما في مجال السيادة، الركن الأساسي في بناء الدولة، لا يمكن للركنين الآخرين الأرض والشعب وحدهما تحقيق حلم الدولة، لكن بعد هذه المدة التي طالت منذ توقيع اتفاقية أوسلو يبدو أن ما هو مؤقت يتحول إلى دائم، حكم ذاتي محدود الصلاحيات في الضفة الغربية، ووصاية أمريكية تحت ما يسمى مجلس السلام الدولي في قطاع غزة، ويخضع لمراقبة الاحتلال الإسرائيلي، وتدخله عسكرياً في حال رأى ضرورة أمنية لذلك. وفق هذا الموقف في الساحة الفلسطينية، لعبت اتفاقية أوسلو دوراً سلبياً في التأثير على مهام مرحلة التحرر، وقد اختلطت بمهام بناء مؤسسات الدولة، حيث يرى كثيرون أن لها أثراً مربكاً أدى إلى تخبط في الأولويات واختلال الترابط بين التكتيك والاستراتيجية، مما أوجد حالة من الازدواجية والارتباك في المشروع الوطني الفلسطيني، أدى في أهم محاوره إلى تهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية، كمرجعية وإطار جامع يمثل الكل الفلسطيني في مختلف مناطق تواجده.
حددت اتفاقية أوسلو فترة انتقالية مدتها 5 سنوات، بدأت في أيار/مايو 1994، ويفترض أن تنتهي في أيار/مايو 1999. وأمتلك الفلسطينيون كل القدرات الذاتية لإدارة دولتهم المستقلة، إلا أن سياسات الاستيطان الإسرائيلية، والضم الزاحف، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى معازل، والحد من صلاحيات الحكومة الفلسطينية، قيّد عمل مؤسساتها، وحصر دورها في إدارة الخدمات المدنية في الصحة والتعليم والبنية التحتية، بينما لم تستطع حماية مواطنيها من اعتداءات الجيش والمستوطنين ولا أوقفت الضم الزاحف. ما وصلت إليه الحالة الفلسطينية يشدد على ضرورة إعادة التأكيد على تحديد طبيعة المرحلة بأنها مرحلة تحرر وطني ضمن مراجعة شاملة للأهداف والوسائل.
في حل القضية الفلسطينية رأى البعض بعد توقيع اتفاقية أوسلو أن طبيعة المرحلة تمتاز بثنائية، «مرحلة تحرر وطني + مرحلة بناء الدولة المستقلة» استعداداً لمستقبل قريب قادم، فتقدمت شؤون الدولة ومؤسساتها على مشروع منظمة التحرير الفلسطينية التي قادت المرحلة السابقة ما قبل أوسلو وكانت الحامل لمشروع التحرر الوطني والممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، ووفق الاتجاهات في تشخيص مرحلة ما بعد أوسلو، تريدها السلطة الفلسطينية مرحلة بناء مؤسسات الدولة، ولم تمانع فصائل المقاومة أو تعارض مساعي البناء هذه، لكن غلّبت مهام التحرر الوطني، والانقسام الفلسطيني لم يشر إلى مشروعين مختلفين من حيث القبول في الثنائية، مشروع حماس في قطاع غزة، يراه البعض أنه يؤسس لإمارة إسلامية تعمل على توجيه الرأي العام ونشر قيم جديدة لتصبح هي السائدة، ومشروع قادته السلطة الفلسطينية، هناك من يراه محدوداً بسقف سلطة حكم ذاتي، لكن في كل ذلك، وفي كلا الحالتين يؤدي إلى كيان وطني أقل من دولة كاملة السيادة، فالمشروع الصهيوني يمثل تحدياً يحاول فرض شروطه على هذه القيادة وتلك، صحيح أن من يقود المرحلة يحدد طبيعتها من خلال قواه الفاعلة، لكن واقع الاحتلال وممارساته يفرض شروطاً وظروفاً يتم التعامل معها بالمواجهة تارة، وفي التنسيق الأمني تارة أخرى.
في هذا برزت وجهتا نظر حول الجمع بين التحرر الوطني والحكم الذاتي: وجهة نظر ترى أن هذه الثنائية تحفل بالتناقض ولا يمكن الجمع بينهما، ولاسيما في ظل الاستيطان وسياسة الضم، يهدف التحرر الوطني إلى إنهاء الاحتلال، ويتطلب بالضرورة التعبئة الشعبية بينما تطالب إسرائيل السلطة الفلسطينية بوقف التحريض والإعلام العدائي بما فيها تعديل المناهج التعليمية الفلسطينية، وتفكيك البنية التحتية للمقاومة، وملاحقة المقاومين، وذلك استناداً إلى اتفاقية أوسلو، التي هيأت لحكم ذاتي تحت سقف السيطرة الإسرائيلية والتنسيق المدني والأمني، ويتصف بالتبعية الاقتصادية والالتزام ببروتوكول باريس الاقتصادي والارتباط بالشيكل، إضافة إلى التزامات أمنية، تجرّد الحكم الذاتي من أي سيادة حقيقية على الأرض والموارد، مما يعيق بشكل تام مهام التنمية وبناء الدولة المستقلة، ويقتصر دور الحكم الذاتي على إدارة الشؤون المدنية للمجتمع. ترى هذه النظرة أن مهام مرحلة التحرر الوطني لا تستقيم مع طبيعة مرحلة الحكم الذاتي في الحالة الفلسطينية، ومسار التحرر الوطني لا يلتقي مع مسار الحكم الذاتي، المفروض أن تلي مرحلة بناء الدولة مرحلة التحرر الوطني، لا أن تواكبها وتتزامن معها. يُعتبر انجاز مرحلة التحرر الوطني بمثابة مقدمة لا بد منها، ولا يمكن بناء دولة أو تحقيق تنمية شاملة إلا بعد الاستقلال التام. وأن مسار بناء الدولة في ظل الاحتلال مجرد وهم، حوّل السلطة الفلسطينية بحكم الواقع الميداني إلى هيئة تدير شؤون الفلسطينيين لكن بإدارة الاحتلال، مما يفرغ مشروع التحرر الوطني من مضمونه.
يتطلب التحرر الوطني تحشيد كافة مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل، والضفة، والقطاع، والشتات والمهاجر في جبهة وطنية موحدة لمواجهة المحتل، بينما الحكم الذاتي حصر التمثيل والإدارة في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أدى إلى تهميش قضية اللاجئين.
كما أن التناقض بين التزامات الحكم الذاتي ومهام التحرر الوطني يضعف الحركة الوطنية الفلسطينية، بسبب إرباك الأولويات والتخبط الاستراتيجي، بالإضافة إلى خسارة دعم أحرار العالم والشعوب الحرة، الذين يتعاطفون مع حركات التحرر ويساندونها في مواجهة الاستعمار والصهيونية، ويكسب النضال الفلسطيني شرعية دولية.
أما الاتجاه الآخر فينظر إلى المرحلة على أنها تكامل بين مساري التحرر الوطني وبناء الدولة المستقلة، أصحاب هذا الطرح، يرون أن الشعب الفلسطيني يخوض نضالاً مزدوجاً، يتمثل الأول في دحر الاستعمار، بينما يتمثل الثاني في تأسيس مقومات الدولة الحديثة، وإرساء مؤسساتها وإعداد البنية التحتية القانونية، والإدارية، والاقتصادية، والأمنية لتكون جاهزة للسيادة الكاملة عند الاستقلال كخطوة استباقية على طريق الاستقلال والتحرر الوطني، يبرر أصحاب هذه الرؤية الثنائية أن بناء مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات للمواطنين يعزز صمودهم على الأرض، وأن سقوط السلطة يحدث فراغاً سياسياً وإدارياً، بينما بقاء السلطة وتعزيزها وإظهارها بمظهر كيان له مؤسسات تشكل نواة الدولة الفلسطينية المستقبلية يؤكد لدول العالم الأهلية الفلسطينية لإقامة دولة مستقلة، وفقاً للشرعية الدولية. وهذا يظهر في اعتراف نحو 159 بلداً بالدولة الفلسطينية. وأن مسار بناء الكيان الوطني قد يكون جزءاً من أدوات التحرر والمقاومة الشعبية، إذا ما تم توظيفه بشكل صحيح لخدمة المشروع التحرري الشامل، وأن بناء مؤسسات دولة فلسطينية يشكل تحدياً لسلطات الاحتلال وهي من يسعى لتقويض كل ما يتعلق بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وفي الاستفادة من تجارب حركات التحرر ومنها التجربة الفلسطينية أن مثل هذه الثنائية وإعطاء الأولوية لبناء مؤسسات الدولة أدت إلى صراع على السلطة والنفوذ بين فصائل المقاومة، قبل أن تنجز ما تقتضيه مرحلة التحرر الوطني، مما يدعو إلى إعادة تقييم المشروع الوطني الفلسطيني، وتسليحه ببرنامج نضالي موحد ومتفق عليه، واستعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر شاملة تشرف على السلطة وليس العكس.
