فرساي الأخيرة: لا منتصر في الحرب ولا مهزوم في السلام

نوال عايد الفاعوري

 

 

جلس الجميع بهدوء، ومن دون ضجيج أو تعالٍ، لتوقيع اتفاق بدا وكأنه مخرج من مستنقع بالغ التعقيد، مع إبقاء كل الاحتمالات مفتوحة على رصاصة أخيرة ما تزال في جيوب القادة. ستون يوماً إضافية فقط، لكنها ربما تكون المرحلة الأصعب والأكثر تعقيداً؛ مرحلة حقل الألغام السياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

اختير قصر فرساي مسرحاً للحظة الرمزية. ذلك القصر الذي ارتبط اسمه بتحولات كبرى في التاريخ الأوروبي، وعرف بأنه شاهد على اتفاقيات وحروب ومصائر أمم. غير أن المشهد هذه المرة بدا مختلفاً؛ فلا أسرار خلف الجدران، ولا أبواب موصدة على المفاوضين، بل كاميرات تنقل كل شيء إلى العالم مباشرة.

 

فرساي... قصر الأساطير والمكائد والممرات السرية، حيث نسج التاريخ حكاياته عن الملوك والعشاق والمؤامرات. وهناك، حيث اعتقدت الملكة ماري أنطوانيت يوماً أن الغرف السرية قد تحميها من غضب شعبها، اجتمع قادة العصر الحديث حول طاولة تفاوض لا مكان فيها للابتسامات الكثيرة أو الأحاديث العابرة.

 

كان ثمة شعور واضح بأن شيئاً ما قد تغير. فصوت قادم من الشرق الأوسط فرض نفسه على الطاولة الدولية، وأجبر الجميع على الإصغاء. وكأن زمن التعامل مع المنطقة بوصفها هامشاً سياسياً أو ساحة نفوذ سهلة قد بدأ بالتراجع.

 

قبل أكثر من قرن، فرضت اتفاقية فرساي على ألمانيا المهزومة شروطاً قاسية وتعويضات ضخمة، واقتطعت أجزاءً من أراضيها، فتركت جرحاً عميقاً في الوعي الألماني. أما في هذه الرواية الجديدة لفرساي، فإن الصورة تبدو مختلفة فالمعادلات لم تعد أحادية، وموازين القوة لم تعد تسمح بانتصارات مطلقة أو هزائم كاملة.

 

تروي الأحداث أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مضطرة إلى قبول تفاهمات لم تكن ترغب بها بالكامل، بينما استطاعت إيران، رغم الضغوط والعقوبات والخسائر، أن تنتزع مساحة جديدة من الاعتراف بدورها ومكانتها. لم يكن ذلك انتصاراً حاسماً لطرف أو هزيمة نهائية لآخر، بقدر ما كان اعترافاً بحدود القوة لدى الجميع.

 

لقد كشفت الأزمة حقيقة بسيطة ومعقدة في آن واحد: تستطيع واشنطن إلحاق الأذى بإيران، لكنها لا تستطيع إخضاعها بالكامل، كما تستطيع طهران استخدام موقعها الجغرافي وأوراق ضغطها الاستراتيجية، لكنها لا تستطيع تحمّل حرب مفتوحة طويلة الأمد.

 

ورغم الدمار والجراح، خرجت إيران من المواجهة محافظة على جزء مهم من قدرتها على التأثير، بل ومتقدمة خطوة إضافية في تثبيت حضورها على الساحة الدولية. وهنا عادت إلى الواجهة تلك الفكرة القديمة عن قدرة الدول على تحويل الأزمات إلى فرص، والهزائم القريبة إلى مساحات للنجاة وإعادة التموضع.

 

وعلى الجانب الآخر من المشهد، كان هناك رجل يجلس بعيداً عن أضواء القصور والاحتفالات. رجل لا يشبه كثيراً الصورة التقليدية للزعماء. إنه مسعود بزشكيان، جراح القلب الذي ظل متمسكاً بمهنته حتى بعد وصوله إلى الرئاسة.

 

جاء إلى السلطة في مرحلة استثنائية من تاريخ بلاده مرحلة شهدت اغتيالات وصراعات إقليمية وتحولات داخلية عميقة وأزمات متلاحقة. أحداث كان يمكن أن تملأ عقوداً كاملة من التاريخ، لكنها تكدست في فترة زمنية قصيرة، واضعة الدولة ومؤسساتها أمام اختبارات غير مسبوقة.

 

ورغم كل ذلك، حافظ الرجل على صورة مختلفة صورة الطبيب الذي اعتاد الوقوف لساعات طويلة في غرف العمليات والتعامل مع أدق اللحظات وأكثرها حساسية. وربما كانت تلك الخبرة هي ما منحه القدرة على التماسك وسط العواصف السياسية المتلاحقة.

يروى أنه واصل إجراء بعض العمليات الجراحية حتى خلال فترة رئاسته، وكأن الجراح الذي اعتاد إنقاذ القلوب لم يشأ أن يتخلى تماماً عن هويته الأولى. وفي لحظة التوقيع، بدا وكأنه ينقل إلى السياسة شيئاً من هدوء غرفة العمليات: أعصاب ثابتة، وتركيز عالٍ، وإيمان بأن النجاة أحياناً تحتاج إلى صبر أكثر مما تحتاج إلى ضجيج.

 

وهكذا عاد قصر فرساي مرة أخرى شاهداً على منعطف جديد من منعطفات التاريخ. سلام مرتبك ولد من رحم الحرب، وتفاهم هش يحمل في داخله بذور الاستقرار كما يحمل احتمالات الانفجار.

 

وفي نهاية المطاف، لم يرفع أحد نخب الانتصار الكامل، ولم يعلن أحد هزيمة مطلقة. فالعالم الذي اجتمع في فرساي هذه المرة كان يعرف أن الحروب الحديثة نادراً ما تنتهي كما تبدأ، وأن المنتصر الحقيقي قد يكون أحياناً ذلك الذي ينجح في تجنب السقوط، لا ذلك الذي يرفع راية النصر وحده.

 

نوال عايد الفاعوري