للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال /17

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

بقيتُ في قلقٍ لمدة أسبوع، إذ لم أهتدِ إلى أي إجابة عن التساؤلات الكثيرة التي اكتظّت في دماغي، وكانت سببًا في قلقي وأرقي.

كانت لي هوايات متعددة، منها تكبير الصور الصغيرة، وخصوصًا العلمية منها، وكذلك تكبير خرائط دول العالم على ورق كارتون أبيض بحجم كبير، ثم أقوم برسمها وتلوينها حسب التضاريس أو التقسيم الإداري، ومن ثم أقوم بعملية تشميع الكارتونة التي رسمتها ولوّنتها. والتشميع هو عملية تنقيع قطعة قماش الململ بحجم اللوحة بمادة النشا والماء، ثم تعريضها للشمس لتجف. والغرض من هذه العملية هو المحافظة على الخارطة من التمزق. هذه الفنون تعلمناها في المتوسطة من أستاذ الجغرافية، الأستاذ المندائي عبد الكريم، الذي كان يشجعنا ويحثنا ويفرز الشطار منّا.

وكانت لي هواية أخرى هي التخريم على الخشب (يطلقون عليه الخشب المعاكس)، وعملية التخريم تتم بمنشار خاص، فكنت أصنع مختلف التركيبات والتشكيلات الهندسية والزخرفية... إلخ، وكانت تُعد من الأنشطة اللاصفية التي يعلمها لنا مدرس الفنية.

 

في يومٍ ما كنت مندمجًا بالتخريم، حيث كنت في غرفتي (غرفتي مع أخويَّ الأصغر مني والأكبر مني، كما أشرتُ إلى ذلك سابقًا)، وتقع في الجزء الخلفي من البيت، لذلك لم أسمع طرقات الباب. فإذا بأمي تفتح باب الغرفة على حين غرّة، وقالت:

     يمّه، مزاحم، صاحبك بالباب.

انتابني شعور سريع بالفرح، متخيّلًا أن أحد الزملاء الثلاثة قد جاء ليطمئنني، وشعرت بالخفقان تحسبًا لأي طارئ مكروه، وسألت أمي:

• هل هو بسيارة؟

     لا.. دكَ الباب وظل واكَف حتى أصيحك.

خرجت إلى الباب، والمسافة التي تفصل غرفتي عن الباب لا تتعدى ثوانٍ معدودات، لكنها كانت أطول مسافة يمكن أن يقطعها سبّاق ماراثون.

رأيت وجهًا لم أره سابقًا، ولكن، في الحقيقة، ففي اللحظة التي رحبت فيها بالقادم، كانت عيناي تبحثان عن شخص آخر أو أكثر ممن قدموا مع هذا الزائر المجهول.

كان وجه هذا الزائر مدوّرًا، جميل المحيّا، على جسم قصير ممتلئ، أبيض البشرة، وكان واضعًا محبس ذهب في أحد أصابعه. فسألته:

"تفضل، أمر خدمة؟"

فقال:

     شكرًا، ممكن أن أتحدث معك في الحديقة؟

     نعم، تفضل.

دخل إلى الحديقة التي تدلّت أشجارها على السور الخارجي للبيت، وذهبت لأجلب كرسيين، وطلب قدح ماء.

جلبت الكرسيين والماء، وبعد أن شرب، قال:

-" زميل مزاحم، اسمي (ح. و)، من تنظيمات الكرخ لاتحاد الطلبة العام. أحب أن أطمئنك أن الزميل محمد بخير وأمان خارج بغداد، وسيرسل لك أخاه (ن) ليوصل لك أخباره."

     طيب، والباقين؟ سألته على عجالة.

-    (ع) هو الذي تم إلقاء القبض عليه أولًا، ولم يتحمل، أما جودت فهو بطل، وتحمل راشديات وجلاليق الأمن السفلة. سيفرجون عنه غدًا أو بعد غد. علاقتكم بـ(ع) كطلاب في المدرسة وبس.

     وكيف عرفتم بهذه التفاصيل ؟

اطرق رأسه ينظر بالأرض ..قائلاً:

"اقاربي مفوض بالأمن (من جماعتنا) جابلي كل الاخبار".

أجاب الزميل (ح) عن جملة التساؤلات التي كانت تشغلني طوال الأسبوع.

وقبل أن يغادر قال:

"سيكون اتصالك معي مباشرة، ونلتقي مرةً بالأسبوع في مواعيد نحددها لاحقًا."

 

(يتبع)