
من رحم النضال/ 18
د. مزاحم مبارك مال الله
أذهلني الزميل (ح) بالمعلومات، لكنها كانت مفيدة، فسألته:
(هل أخبر الزملاء (هـ وع وس )؟)
فأجاب:
"ما يخص محمد فلا، وما يخص (ع) أيضًا لا، ولكن بإمكانك أن تنقل لهم الموقف البطولي لصمود زميلنا جودت، وأخبرهم أن الاتحاد سيتواصل معكم."
قلت له:
"زميلي (ح)، أنت تعرف وضعي في البيت، فيه شيء من الحرج، فأرجو أن تكون لقاءاتنا بعيدًا عن هنا".
فأجاب:
"ولا يهمك عزيزي، نحن نعرف عائلتك ونعرف إخوتك، وكلهم ممتازون. ومع ذلك تدلل، نلتقي الأسبوع القادم الساعة الخامسة مساءً عند باب غرفة تذاكر سينما اليرموك، في رأس الشارع."
كانت سينما اليرموك أول سينما يتم بناؤها وافتتاحها في منطقة البياع، مقابل الشارع العام الواصل إلى جنوب بغداد، والذي يربطها بالمناطق الجنوبية والوسطى.
لم يبقَ الزميل (ح) فترة طويلة، رغم أن الوالدة جلبت لنا صينية الشاي. ودّعته بعد أن جدّد الأمل في روحي، وشعرت بالأمان؛ فالعائلة تحيطني، وتحيط الزملاء كافة بالرعاية والاهتمام.
قبل موعد لقائي بالزميل (الجديد)، ظهر جودت في المدرسة، وهممت باحتضانه والسلام عليه، لكنه غمز لي بطرف عينه إشارةً أن لا أفعل.
في الفرصة بين الدرسين تعمّد جودت ألا يخرج من الصف، فانتبهت وبقيت أنا أيضًا متظاهرًا بمراجعة الدرس القادم. وبعد أن فرغ الصف من الطلاب، انكببنا على بعضنا بشوق غامر، احتضانًا وتقبيلًا، وقلت له هامسًا:
"الحمد لله على السلامة يا بطل."
فقال بصوته الهادئ الخجول:
"الله يسلمك مزاحم… متسائلًا: هل كل شيء تمام؟"
فقلت: نعم.
لم يدم لقاؤنا سوى دقيقة او دقيقتان، ثم غادر جودت الصف.
في لقائي مع الزميل (ح)، وكان تخطيطًا ذكيًا منه، حيث يتجمع الناس على شباك تذاكر السينما، فكان اللقاء يبدو طبيعيًا وسط هذه الزحمة. وطلب مني أن أتظاهر بشراء بطاقة ولا أشتريها، قائلاً:
"الأفضل أن نغادر من هنا، سأنتظرك في رأس الفرع."
يبدو أن الزميل (ح) قد استشعر شيئًا ما، فحرص أن يتأكد إن كنتُ متابعًا أم لا.
تظاهرت بعدم تمكني من الحصول على بطاقة السينما بسبب شدة الازدحام، وانسحبت بهدوء من تكدس الناس، ومشيت باتجاه رأس الفرع، فوجدت الزميل بانتظاري. وفي الحال سلّمني رزمة مغلفة وطلب مني أن أضعها في ملابسي فورًا.
بعد أن عدت إلى البيت، وجدت في هذه الرزمة عددًا جديدًا من جريدة كفاح الطلبة، وبيان الاتحاد حول الانتخابات الطلابية، وكذلك أوراق “رايز” وكاربون.
وحين سلّمني الرزمة قال:
"ستجد أمورًا تحتاج إلى استنساخ، وأعتقد أن لديك تجربة سابقة بذلك… استنسخوا ووزعوا."
فقلت: على من نوزعها؟
فأجاب:
"سؤال ذكي… وزعوها أثناء الفرص على رحلات الطلاب دون أن يشعر بكم أحد."
ثم قال:
"يا مزاحم، بعد أن تهدأ الأمور من الآن ولمدة شهر، سيكون المسؤول زميلًا آخر، سأخبرك حينها أو يأتي معي."
ثم وجهني إلى كثير من أمور الكسب والاهتمام بالدراسة، ووضع نصب أعيننا التفوق الدراسي.
(يتبع)
