
من رحم النضال/ 20
د. مزاحم مبارك مال الله
سبق أن أخبرني (هـ) عن زميلٍ له ذو ميولٍ وطنيةٍ تقدمية، ومن عائلةٍ لها رصيدٌ في الحركة الوطنية اليسارية، اسمه (ث)، وهو تقريبًا جاهز للانضمام إلينا (حسب ما أخبرني هـ). طلبت من (هـ) أن ألتقي بـ(ث)، وفعلاً اتفقنا على لقاء (ث) في محل والده في نفس شارع سكنهم بمنطقة البياع أيضًا.
وصلنا في الموعد المحدد كي ألتقي زميلًا جميلَ المحيّا، مربوعَ القامة، ليس طويلًا مثلي، ويداوم بنفس دوام هـ. ومنذ بداية الحديث مع (ث) حصلت على انطباعٍ رائعٍ عنه؛ إذ بدا لي انه مثقف ويمتلك رؤيةً جميلة في العمل الطلابي. وعرفت أن والده مناضلٌ في الحزب الشيوعي العراقي، كان مطاردًا وقضى فترةً ليست قصيرة في نكَرة السلمان، وتم إطلاق سراحه وإعادته إلى الوظيفة بعد إجراءات حكومة البعث التي تمت بعد وصولهم إلى السلطة في المرة الثانية.
شعرت بفارق الثقافة والاطلاع بين (ث) وبيننا نحن، أنا وباقي الزملاء، ويبدو لي أنه واسع الاطلاع وقارئٌ نَهِمٌ للتراث الاشتراكي العالمي، وهو بهذا العمر الصغير. ومنذ الوهلة الأولى تلمست الصفة القيادية الفكرية التي يتمتع بها (ث) دون أن يعلم أو دون أن يخبره أحد بذلك.
تحدثنا كثيرًا وتطرقنا إلى مختلف صنوف الأحاديث، وأخبرني أنه غالبًا ما يجالس شخصًا اسمه "سيد نور".
• أتعرِفه يا مزاحم؟
• لا والله.
• سيد نور أحد رفاق فهد وعضوٌ مرشح في اللجنة المركزية في عهد فهد.
• صحيح؟
• نعم، ولو كنت جئت صباحًا لالتقيته.
• وكيف لي أن ألتقيه؟ (قلت ذلك بدافع أن أرى أحد رفاق إنسان طالما تمثل في مخيلتي أنه أسطورة، وهو فعلًا كذلك).
• تعال يوم الجمعة صباحًا، تجده هنا، فهو يسكن المنطقة.
وبعد الأحاديث الطويلة بيني وبين (ث) وخصوصاً حول الانتخابات الطلابية التي انهزم فيها البعثيون والقوميون شر هزيمة وبوجود(هـ)، تم الاتفاق أن أبلغ الزملاء في الاتحاد برغبة (ث) في الانضمام.
• لكن بشرط رجاءً... قال (ث).
- تفضل.
• أن لا يعلم والدي بأي شيء. (ضحك هـ، والذي يبدو أنه يعرف ما لا أعرفه)، لأن والدي مرَّ بمآسٍ، والوالدة أيضًا بسبب ذلك، وكل العائلة. وهو على الدوام يحذرني من العمل السياسي، وغالبًا ما كنا نتخاصم.
- صار، عزيزي ولا يهمك.
غادرنا أنا وهـ محل ث (وهو بالحقيقة محل والده – محل بقالة متواضع)، على أمل أن أحضر يوم الجمعة للقاء سيد نور.
في اليوم التالي أبلغت الزميل جودت بالكسب الجديد، فقال إن لدينا معلوماتٍ عنه، عائلة ممتازة وهو أيضًا عنصر ممتاز.
• يعني أبلغه بالموافقة؟
• لا، انتظر... سأخبرك حينها.
حلَّ يوم الجمعة، واختلقت عذرًا للخروج من البيت بصحبة هـ ، والذي اتفقت معه أن يمر عليّ لنذهب سويًا. في الطريق سألني هـ عن الموافقة على ث، فقلت: مبدئيًا مقبول، ولكن علينا الانتظار.
وصلنا إلى محل ث، فرأيت رجلًا متقدمًا في العمر يقترب من السبعين، يرتدي دشداشة بيضاء وعليها سترة بنية غامقة اللون، وينتعل نعلًا من الجلد، وفي يده سبحة. بعد السلام والتحية، رحّب بنا بوجه بشوش، وكم تمنيت لحظتها أن تكون عيناي بدل عينيه، وهو يرى ويتحدث مع رمزٍ من رموز البطولة العظيمة، وهو الخالد فهد، الذي أسس هذا الكيان العظيم: الحزب الشيوعي العراقي.
(يتبع)
