للذهاب الى صفحة الكاتب   

خصوم الفكر!

د. ادم عربي

 

 

متى يكون من المشروع، بلْ من الضروري، التوقف عن الحوار مع الآخر، أي مع كل من ليس أنا؟ يحدث ذلك حين يطالبك هذا الآخر بدليلٍ على ما هو بديهيّ، كأن يسألك إثبات وجود النهار، فتأخذه إليه وتشير قائلاً: ها هو أمامك، لكنه رغم ذلك يصر على طلب البرهان. هنا يصبح الاستمرار في النقاش عبثاً، لأنَّ ما هو أوضح من النهار لا يحتاج إلى برهان. ما عدا هذه الحالة الاستثنائية، فإنَّ الحوار يظل ممكناً وواجباً أنْ يستمر.

 

برأيي، تكمن الأزمة أساساً لا في الحوار ذاته من حيث منطقه وأسلوبه وشروطه، بلْ في رفض الإسلاميين المتشدّدين، الذين يملكون نفوساَ متضخمة وعقولاً ضيقة، الاعتراف بوجود الآخر وبحقه في الوجود. وحتى حين يُجبرون على الإقرار بذلك، فإنهم لا يرون في الآخر سوى شخص مختلف عنهم في أمور تافهة لا تضر ولا تنفع. عندها يصبح الآخر في نظرهم مجرد معارض يناقشهم في تفاصيل هامشية، كتلك المتعلقة بطريقة دخول الحمّام ، أبرجل يمنى أم يسرى؟ ومع هذا النمط من المعارضة، يهدرون وقتهم وجهدهم في محاولة إثبات خطأه. فإذا استجاب لهم، ازدادوا ثقة بصلابة فكرهم، وإنْ تمسّك برأيه، اعتبروا ذلك برهاناً على امتلاكهم تعددية فكرية لا مثيل لها!.

 

إنّ هؤلاء المتزمتين، الذين قد يقودهم إنكارهم للآخر في نهاية المطاف إلى الفناء الذاتي، يشبهون النار التي إنْ لم تجد ما تلتهمه التهمت نفسها. وهم بذلك يتغافلون عن حقيقة جوهرية ذات بعد فكري وتاريخي عميق، وهي أنَّ الإسلام نفسه ، أي المنظومة الفكرية الإسلامية ، وُلد وتطوّر عبر الحوار، وبفضل الحوار، مع الآخر ، سواء كان هذا الآخر مشركاً أو كافراً أو من أتباع ديانة مغايرة. لقد كان الخطاب موجَّهاً أساساً إلى عقل الآخر، إذ اعتُبرت مخاطبة العقل الوسيلة الأنجع لنشر الإسلام، بحيث ينتصر الفكر الجديد داخل العقل على ما سبقه من أفكار قديمة. فالعقل، بخلاف الجسد، لا يُفتح بحد السيف.

 

حين أجد نفسي مضطراً إلى محاورة إسلاميين متزمتين، أدرك أنني لا أخاطب عقلاً حراً منفتحاً، بلْ عقلاً مثقلاً بجراح المسلّمات التي يرفعونها دائماً سلاحاً لإثبات أو نفي أي قضية. غير أنَّ وقائع الحياة الواضحة لكل عين مبصرة ولكل عقل متفكر تتحدّاهم بأنْ يقدموا برهاناً مقنعاً يثبت أنَّ مسلّماتهم تستحق فعلاً هذا الاسم، أي أنها مسلّمات حقيقية مكتمِلة الشروط، كتلك البديهية التي تقول: ;طهران هي عاصمة إيران

 

لستُ أعترض على حقهم في أنْ يعتبروا ما يهيمن على عقولهم من أفكار بمثابة مسلّمات، ولا أجادل في هذا الحق حتى لو انتهى بهم الأمر إلى الإيمان بأنَّ الجزء أعظم من الكل، أو أنَّ الحب الأفلاطوني قادر على إنجاب أطفال أو أنهم ينتمون إلى سلالة مريخية

 

لا أعترض على ما يؤمنون به، لكن بالمقابل عليهم أنْ يقبلوا حقي في مناقشة مسلّماتهم، والتشكيك فيها، وكشف تناقضها المنطقي وتعارضها مع حقائق الواقع. فعقلي حر، وليس مستعمرة لإبليس، ومن حقه أنْ يظل مقتنعاً بأنَّ 1+0=1، ما لم ينجحوا في إقناعه بأنَّ 1+0 يساوي حماراً.

 

أود أنْ أطرح عليهم السؤال التالي: هل يقوم الإيمان الديني على الاختيار أم على الجبر؟ ومن طرفهم أجيب: الإنسان مخيَّر لا مسيَّر في إيمانه أو كفره. فقد منحه الله العقل، ليقارن ويفاضل ويزن الأمور، فيصل إما إلى الإيمان أو إلى نقيضه. وأُدركُ في الوقت ذاته أنَّ المصالح الواقعية للبشر ليست محايدة، فهي قد تدفع صاحبها إلى معاداة بديهية رياضية أو السعي لإلغائها إذا تعارضت مع تلك المصالح. غير أنَّ هذا لا يعني أنَّ صاحب المصلحة يستطيع أنْ يُكره عقله على إنكار حقيقة بديهية مثل: الجزء أصغر من الكل. إنما يعني فقط أنَّ الإنسان قد يميل، في مثل هذه الحال، إلى إظهار اعتقادٍ يتماشى مع مصالحه حتى لو كان يصطدم بعقله، أي بما هو مقتنع به في أعماقه.

 

إذا كنّا نقرّ بأنَّ الإنسان مخيَّر، فلماذا نسعى بعد ذلك إلى إفراغ هذا التخيير من جوهره؟ كيف نقول، مثلاً، إنَّ مَنْ اختار نقيض الإيمان الديني لم يختره فعلاً، بلْ إنَّ عقله، الذي سيطر عليه إبليس، هو الذي دفعه إلى الكفر أو ما شابه ذلك؟!

 

لقد منح الله الإنسان عقلاً وهو عالم تمام العلم بما سيترتب على استخدامه لهذا العقل. فالله ليس كأنظمة الحكم العربية التي لا تعطي شعوبها من الديمقراطية والحريات العامة إلّا ما كان محسوباً سلفاً ومضمون النتائج.

 

حتى إبليس أتاح الله له فرصة المحاورة والاعتراض على مشيئته، وكان هذا الحوار عقلانياً بكل معنى الكلمة. فقد خلق الله إبليس بطريقة جعلته يظن نفسه أعلى شأناً من آدم، فلما أمره بالسجود لآدم أبى واستكبر، وحاور الله الذي قبل الحوار بدوره. ومع استمرار عصيانه، عاقبه الله، ولكن بعقاب رحيم : لم يُقطَع رأسه، ولم يُسفك دمه، ولم يُلقى في زنازين مظلمة. وعندما طلب إبليس الحرية في الإفساد وتجميع أتباع، لم يرفض الله طلبه، مدركاً أنَّ الإنسان، المخلوق من قوى متضادة، يمتلك ما يكفي لإحباط مخططات إبليس.

 

أنا لا أميل إلى النظر إلى نتائج الفكر التي يثمرها استخدام الإنسان لعقله، الذي وهبه الله، كأنها صراع مباشر بين مشيئة الله ومشيئة إبليس. فهذا يعني أنْ نبتعد عن اعتبار إيمان المؤمن مجرد انعكاس لإرادة إلهية، والكفر مجرد نجاح لإبليس في مساعيه المضادة. مثل هذا التفسير يشبه رؤية نتائج حرب تُحكَم بميزان القوى وحده، وكأنَّ حجم المعسكرين الأرضيين ، معسكر المؤمنين ومعسكر غير المؤمنين ، يُحدَّد بقدر القوة العسكرية لا بعمق الفكر أو حرية العقل.

 

لقد رغبت في قول كل هذا لأؤكد أنَّ العقل هو القاضي الوحيد لإيمان المؤمن وكفر الكافر، وأنَّ أي فكر يسعى لتقييد حرية العقل في التفكير هو فكر ميت، فاسد، قاتل لمن يحمله، مهما توهَّم حاملوه أنهم وريثو الحياة ومصادرها. فالفكر الذي يقتل حرية العقل يقتل الحياة ذاتها في قلوب وأذهان الناس.

 

الحوار الحقيقي مع الآخر ينشأ حين نشكك جميعاً في المسلمات التي نعتبرها بديهية. عندما أقدم لك حجتي، فمن حقك أنْ تردّ بحجتك، فلا عقل يترك اقتناعه إلّا إذا اقتنع بما هو أعمق وأقوى. لا إغراء، ولا إكراه، ولا ضغط قادر على قلب قناعة العقل. قد يظهر الإنسان في كلامه وأفعاله معارضة أو اتفاقاً زائفاً، لكنه لن يستطيع أبداً تغيير موقف عقله الفعلي، فالعقل وحده ملك لذاته، لا يُخضعه سوى الاقتناع الحر.

 

تعلّموا كيف تحاورون الآخر مهما خالفكم واختلف معكم، وامتلكوا الجرأة لدخول معتركه، وكونوا مستعدين لتحدياته بفكره، وتساؤلاته، وتشكيكاته. فالفكر القوي والحيوي قادر على الوصول إلى العقل،وغزو الرأس دون قطعه وأنْ يغيّره ويؤثر فيه .