
مجتمع المادة وسلطة الوعي الزائف
خديجة جعفر
تعتبر خاصية “الحركة “، مرتكزا أساسيا لتوصيف
المجتمعات، بحيث لا يمكن له أن يكون تجمعا ساكنا من البشر بل حركة دائمة، يمكن التمييز بين نموذجيها:
سواء لو تكن حركة مادية: تتبلور كَما من خلال معدلات النمو السكاني أو الاقتصادي أو الديمغرافي…
أو لجهة الحركة المعنوية: التي تتضح من خلال منظومة القيم والأفكار والعلوم والآداب والفنون أو النظم والتشريعات القادرة على إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات، وهوية جماعة دون أخرى …
فالمجتمع عبارة عن واقع تفاعلي تنتجه شبكة علاقات تحدد أشكال وموضوعات التعاون والصراع وطبيعة التفاعل للأفكار والإرادات والمصالح الإنسانية المحيطة والهادفة ضمنا عبر الزمان والمكان، ما يرسم الملامح الثقافية للحيز سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي القادر على إعادة بناء سمات الجماعة نفسها بشكل دائم ومستمر.
إن تؤكد الثوابت التاريخية، ضرورة "الحركة"، وصعوبة تجاوزها، فهي بالتالي ليست مجرد خاصية، بل تكاد تصبح شرطا للوجود ومقياسا للقوة والتقدم، بحيث يفقد المجتمع الذي يتوقف عن هذه الحركة قدرته على الاستمرار أو التطور وسيصبح عرضة للجمود والانحلال، على عكس مقارنته بعالم المادة وما يخصها العلم به من خصائص ومعايير تضعها في توصيف:" الكتل" المؤلفة من ذرات تشغل حيزا من الفراغ بخصائصها الموضوعية شكلا ولونا وحجما وصلابة وحركة ذرات دينامية ودرجات حرارة موجبة للانصهار أو الالتحام أو التفكك تبعا للقوانين الفيزيائية والكيميائية".
إن عملية التسليم بقوانين الفيزياء والكيمياء، عوامل إلزامية لتغيير المادة وتحولها، دون المساس بطبيعتها، أمر يختلف كل الاختلاف عن قوانين الحركية المجتمعية التي لو يحدث وأن مرت بسكون، فسيكون حالة مؤقتة وظرفية داخل حركة تاريخية أشمل، ليصبح المجتمع بحالة الجمود الظرفي هذا ،شبيها بخصائص المادة، فينتفي شرط وجوده ككيان، وقالبا للوعي التفاعلي، أو لجهة كونه خلاصة توازنات ما بعد الصراع، ليصبح الوعي المجتمعي محركا للتاريخ ومؤسسا للمجتمعات عاملا محفزا لتطورها، وحين يتعطل هذا الوعي تقع المجتمعات في حالة من السكون والجمود بالتالي الغياب والانحلال.
مما لا شك فيه أن العالم اليوم يشهد وجود بعض المجتمعات التي تختزل حركتها في العسكرة، وإنتاج الحروب المستمرة ظنا بالحراك والتقدم، مستبعدة العمل على أبعاد الحركية المعنوية الأخرى كالمعرفة، والإبداع، والاقتصاد، والثقافة، والحوار، فأصبحت أقرب في التوصيف إلى المجتمع الذي تحكمه قوانين المادة وعلوم الفيزياء والكيمياء، كما لو أنه يتحرك وفق خصائص مادية أكثر مما يتحرك وفق متطلبات الوعي التفاعلي، لنشهد ولادة: "مجتمعات المادة"، حيث تصبح القوه هي المعيار الأساسي للعلاقات، وتتحول آليات التفاعل نحو الهيمنة والإكراه والتفرد بالقرار وتغليب الفعل ورد الفعل على المبادرات الإنتاجية، تتعطل الجهود المؤسساتية عن التنظيم، وتتحول منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية لخدمة صراع القوة، تضيق فسح الوعي النقدي والتحليلي لصالح التعبئة وتُختَزل قيمة الفرد بحسب موقعه من الصراعات وفق برمجة جديدة لآليات صناعة "الوعي الزائف" في مجتمع يُحَول كل أنواع الصراع إلى معركة وجودية دفاعية…
ففي:" مجتمع- المادة" المتخشب، يتم العمل القصدي على نشر: " الوعي الزائف"، فتغدو ثقافة العسكرة والحروب من أبرز وأدق محركات التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتعليمي وهو الفخ الأسوأ لما يتركه من آثار سلبية على ثبات الانتماءات الهوياتية وجمود الفكر وتراجع للقيم الانسانية التنموية نحو عسكرة الابداع.. من الملفت أن يرتبط مفهوم "الوعي الزائف" واقعا، ارتباطا وثيقا بالحالة التي يصبح فيها المجتمع أقل قدرة على إدراك الواقع أو تحديد مصالحه ورسم مستقبل أفراده، نحو إدراك واقعهم إدراكا مشوها، وتبني أفكار ومعتقدات التبعية والقبول دون قدرة تحديد ما يتعارض مع مصالحهم، أو مع الفهم الأدق للواقع. وتجعل من الأفراد مختلفين أكثر من منتجين، يكررون المواقف نفسها على أن يخضعوا لأحكام العقل والاختبار ويصبح "الوعي الزائف" الآلية الملزمة لجعل هذا الواقع مستمرا، فبدل أن يرى الناس الأسباب الحقيقية للمشكلات، يتم تقديم التفسيرات المبسطة والانتقائية أو المضللة، وتصرف اهتمامهم عن الأسباب البنيوية أو المؤسسية التي تنظم الوعي كاستراتيجية وجود واستمرارية.
ان تكن سطوة: "الوعي الزائف" المنتج لحالة الجمود والسكون كما في: " المجتمع المادة", فلا بد من وجود أطراف تتحمل مسؤولية انتشار هذا الواقع من جهة ،أو لجهة التنبه للآثار السلبية والعمل على تجاوزه.
قد تلعب السلطة السياسية دورًا حاسمًا في جعل المجتمعات أكثر حيوية وفاعلية، أو على العكس، بتحويله إلى مجتمع يتصرف ككتلة خاملة يسهل توجيهها. ويتوقف ذلك على طبيعة السلطة و ايديولوجيتها وأهدافها ومؤسساتها.
تسهم السلطات المهتمة بتفعيل سلطة القانون، تحرير طاقات المجتمع الإبداعية والتشاركية من خلال حريات التعبير وبناء الفكر النقدي مرتكزا لسياساتها التعليمية، في أن تُمَكِن شعوبها من الحصول على المعلومات لإمكانية النقد والتحليل بالتالي استبعاد الآليات المنتجة لقيم الطاعة والانصياع والتبعية، وأما وقد تتبنى السلطات آليات القمع واحتكار المعلومات, وثقافة الخضوع، عبر نشر الخوف لضمان الاستقطاب، فهي بالتالي تسهم في خلق نماذج منفذة، روبوتية فارغة من قاعدة معلومات، فاقدة للمواطنية والمشاركة وحس المسؤولية في التغيير.. فتصبح السلطة مجموعة إدارات تنظر إلى الناس باعتبارها أرقامًا أو كتلًا سكانية، لا ذواتًا حرة تمتلك غاياتها الخاصة، ما يرسخ حالة: "مجتمع المادة "...
فما توجه إليه أنطونيو غرامشي، حين رأى أن السلطة تستقر عندما تحقق هيمنة ثقافية تجعل كثيرًا من الناس يقبلون النظام القائم بوصفه طبيعيًا أو بديهيًا، يعد بمثابة تفسير لمجتمع المادة ونشر الوعي الزائف.
وإن يرى البعض في ظهور القيادات الاستثنائية المعارضة للسلطة حلا إنقاذ يا بحسب ما عبر عنه نيتشه في مصطلح: "الإنسان الأعلى"، معتبرا أن التحول يبدأ بفرد يمتلك القدرة على تجاوز القيم السائدة وخلق قيم جديدة، فلا بد من الإشارة إلى خطورة هذه الرؤية، لما تحمله من مخاطر الشخصنة وتقديس الفرد، إضافة إلى مشاعر النقص والعجز الشعبي العام مقارنة بجهود يبذلها نموذج القائد الاستثنائي، هنا يجدر التمييز بين فكرة البطل التاريخي، والبطل المخلص، لأن الأخير سوف يسهم بتبسيط التحولات المجتمعية أكثر مما تحتمل، فعندما يقرب المجتمع من حالة: "المجتمع المادة" يتصف بالخمول، والامتثال وضعف المبادرة، تتطلب عملية التخطي جملة من الجهود المنظمة للوعي وللفعل والتي قد تتجسد في قائد مؤثر على حركة الوعي العام وإمكانية تنظيمها. أما فيما لو يستمر المجتمع على حاله من فقدان قابلية الوعي النقدي، والفعالية المؤسساتية، فقد يتحول الاعتماد على الشخص إلى مكمن ضعف جديد.
الرهان على شخصية قيادية حتى لو امتلكت بداية مواصفات استثنائية يبقى رهانا، يحمل في طياته تساوي الاحتمالين، إمكانية التصويب وتفعيل الوعي الجمعي البناء، أو الاستفراد بالسلطة وإعادة بناء الوعي الزائف نفسه، لأن آفة الشخصنة في القدرة على تحديد المقاييس لإدارة قضايا الشأن العام. الشخصية القيادية التي تسهم في بناء المؤسسات وتنظيم المعرفة وتوسيع أطر المشاركة، ستكون واقعا محفزا للانتقال من حالة السكون إلى الفعل التاريخي، إنما يصعب التسليم به أمرا معتمدا لإدارة السلطة على المدى المستقبلي للمجتمعات، ففي المجتمعات التي تحكم للسلطات الخائفة، تولد القيادات اللحظية بناء على قاعدة الفعل ورد الفعل وليس على قواعد التغيير القائم على توازنات ما بعد الصراع، وهي قيادات أقل قدرة من خلق الوعي النقدي، قيادات بمستوى المسكن للألم ويصعب أن تدخل في آليات المعالجة.
خديجة جعفر
٦ /٧ /٢٠٢٦
