
المكتبات العامة.. بين الابتكار والاندثار
د. عامر ممدوح
كاتب وأكاديمي
ربما أكون من المحظوظين القلائل الذين تمكنوا من اللحاق بالمكتبات العامة وهي تعيش في رمق التواجد الأخير، قبل ان تتحول إلى مبانٍ مهجورة، أو مكانٍ يجمع المنفيين والكسالى من الموظفين!
وتراجع موقع المكتبات العامة في حياتنا أمر مفهوم لكنه غير مبرر، ففي ظل ارتداد مكانة القراءة عامة والكتاب الورقي خاصة غاب ذلك المكان الأثير من الذاكرة والاهتمام، حتى إنك لو سألت أحداَ من أبناء هذا الجيل عنها لما عرف بوجودها أصلاً.
ومع تفهم هذا التحول بفعل ثورة الاتصالات والانترنت والذكاء الاصطناعي أخيراً، أو اختلاف الأولويات الراهنة، وغلبة خطاب المادة والمال، بل وتغير شكل الحياة برمتها نحو الطابع الاستهلاكي القاتل، فلا يمكن الزهد بموقع المكتبات العامة بأي حالٍ من الأحوال، تلك التي ربطت أجيالاً كاملة بالكتاب، وفتحت أعينهم على أولى أنوار المعرفة، ووضعت طريقهم على طريق العلم المطلوب ودروبه اللازمة.
ان توفر الكتاب الإلكتروني وسهولة الحصول عليه، لا ينبغي ان يكون مدعاة لنبذ تلك المكتبات، بل على العكس في ذلك تشجيع لإهمال القراءة برمتها، ونتاج ذلك وخيم ونراه اليوم عياناً من تعاقب أجيال تجهل اكثر مما تعرف، وتعيش إدمان المعلومة المختصرة والمنقولة باختزال مخل ودون توثيق، هذا اذا كانت تهتم أصلاً لها.
لذلك أقول ــ وأنا أبحث هنا عن علاج ومقاربة بينها وبين واقعنا ـ أن وضع رؤية الابتكار أصل في ذلك العلاج المطلوب، وذلك مرتبط بجعل هدفنا منها التأسيس لحب القراءة وربط المرء بالحرف، وإدراك أهمية العلم، وتخفيف حدّة الارتباط بين أطفالنا والأجهزة الذكية والتي تساهم في تناقض غريب في بث وانتشار الكسل المعرفي وتعطيل العقل وهجر الخيال!.
من المهم أن تضع الجهات المسؤولة اليوم خطة شاملة، تتضمن تنظيم جولات علمية مدرسية لطلبتنا وجعلها ضمن المتطلبات الأساسية في العام الدراسي، كأن تكون هناك زيارة شهرية دورية لها، ويكون ذلك من ضمن معايير التقييم للطالب والمدرسة والكادر على حدٍ سواء، ثم تشجيع البحث العلمي بشكل جاد، والعمل على تحقيق ملامسة الطالب للكتاب بشكل مباشر، وتعليم كيفية الاقتباس منه وفنون القراءة والكتابة والبحث وتطوير الأفكار.
نعم إن الحصول على الكتاب بات متاحاً اليوم لأي منّا في منزله، ولكن تعويد العقل على ممارسة التفكير في بيئة مشجعة وجماعية مشاركة هو الآخر لا غنى عنه وأساس لا يمكن التفريط فيه ضمن عملية بناء وتشكيل الإنسان الناجح والمبدع.
ولا نغفل هنا ذكر ضرورة مواكبة التطورات المعاصرة، وتجاوز الشكل القديم للمكتبات والذي ينفّر ولا يجذب ربما، وتطويرها بالاستفادة من التقنيات المعاصرة سواءً عبر الشكل أو اعداد الفهارس وتوظيف البرامج المتطورة في هذا المجال.. وفي ذلك انقاذ لها من الانهيار والاندثار.
