للذهاب الى صفحة الكاتب   

شخابيط ذات معنى:

لماذا يبتعد بعض الشباب او المؤمنين بشكل عام عن الكنيسة؟

د. عامر ملوكا

 

تعد ظاهرة ابتعاد بعض الشباب عن الكنيسة من القضايا التي تشغل الكنائس في مختلف انحاء العالم. وهي ليست ظاهرة مرتبطة بكنيسة معينة او مجتمع محدد، بل هي انعكاس لتحولات اجتماعية وثقافية وفكرية متسارعة يعيشها العالم المعاصر. ومن هنا، فان معالجة هذه الظاهرة تتطلب الابتعاد عن لغة الاتهام والبحث عن الاسباب الحقيقية بروح من الصراحة والمسؤولية، لان المسؤولية تقع على المجتمع والاسرة والكنيسة والشباب معا.

 

يشعر كثير من الشباب اليوم بان الكنيسة لا تتحدث دائما بلغتهم ولا تلامس القضايا التي تشغل حياتهم اليومية. فالجيل الجديد يواجه تحديات تتعلق بالهوية والمستقبل والعلاقات والضغوط النفسية والتكنولوجيا والواقع الرقمي، وعندما لا يجد مساحة للحوار الحر والمناقشة الصادقة، يبحث بطبيعة الحال عن اجابات في اماكن اخرى.

 

كما يشعر بعض الشباب بخيبة امل عندما يلاحظون وجود فجوة بين التعاليم المسيحية والممارسات اليومية لبعض المؤمنين، او عندما يشاهدون خلافات وانقسامات داخل الجماعة الكنسية. فالشباب لا يبحثون فقط عن المعرفة الدينية، بل يبحثون قبل كل شيء عن نموذج حي يجسد الايمان في السلوك والمحبة والتواضع والخدمة.

 

ومن الاسباب المهمة ايضا شعور بعض الشباب بان دورهم داخل الكنيسة محدود، وانهم مجرد متلقين لا شركاء حقيقيين في الرسالة. فالكنيسة التي تفسح المجال امام الشباب للمشاركة وتحمل المسؤولية والاستفادة من مواهبهم، تكون اكثر قدرة على احتضانهم ومرافقتهم روحيا وانسانيا.

 

ومن العوامل التي قد تزيد هذا الشعور بالاحباط ما يلاحظه بعض الشباب، بل وبعض المؤمنين بشكل عام، من غياب العدالة والشفافية في اختيار الاشخاص الذين تمنح لهم فرص الخدمة او المسؤولية داخل بعض الرعايا. فقد يحدث، بقصد او بحسن نية، ان يقترب بعض الكهنة من اشخاص معينين لاعتبارات القرابة او الصداقة او المكانة الاجتماعية او الامكانات المادية، فيمنحون مسؤوليات قد لا تتناسب مع مؤهلاتهم وخبراتهم. وفي المقابل، قد يشعر اصحاب الكفاءات العلمية والثقافية والخبرات العملية بان مساهماتهم غير مقدرة، او انهم مستبعدون من المشاركة الفاعلة، وفي بعض الحالات قد يكون هذا الاستبعاد مقصودا. وعندما يسود الانطباع بان معيار الاختيار يقوم على العلاقات الشخصية اكثر مما يقوم على الكفاءة وروح الخدمة والرسالة، فان ذلك يضعف الثقة ويولد شعورا بالاحباط، ويدفع بعض الشباب او المؤمنين الى الابتعاد عن المشاركة في حياة الكنيسة. فالكنيسة التي تقوم على العدالة وتكافؤ الفرص، وتستثمر مواهب جميع ابنائها دون تمييز، تبني جماعة اكثر قوة ووحدة، يشعر فيها كل مؤمن بان له مكانا ورسالة.

 

وفي مجتمعات الاغتراب تبرز قضية اخرى لا تقل اهمية، وهي الحاجة الى وجود كهنة شباب من البيئة الثقافية واللغوية نفسها التي ينتمي اليها الشباب. فالشاب يشعر براحة اكبر عندما يجد من يفهم لغته واسلوب حياته وتحدياته اليومية. كما ان وجود كهنة وشمامسة وخدام من الجيل نفسه، قادرين على التواصل مع الشباب بلغة معاصرة، يسهم في بناء جسور الثقة والحوار، ويجعل الكنيسة اكثر قربا من واقعهم.

 

ومن الظواهر التي تستحق الدراسة انتقال بعض الشباب الى الكنائس الانجيلية. ولا يعود ذلك بالضرورة الى اختلافات عقائدية، بل يرتبط في كثير من الاحيان بالشعور بالترحيب والاهتمام الشخصي، ووجود مجموعات شبابية نشطة، واسلوب عبادة حيوي، ولغة بسيطة تتناول تحديات الحياة اليومية. وهذا يدعو الكنائس التقليدية الى تطوير عملها الرعوي والشبابي مع المحافظة على غنى تراثها الروحي والليتورجي.

 

ولا يمكن الحديث عن الشباب اليوم من دون التطرق الى الواقع الرقمي الذي اصبح جزءا اساسيا من حياتهم. فقد تحول الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي الى المصدر الرئيسي للمعلومات والافكار والقيم. ولم يعد الشاب يعتمد فقط على كنيسته المحلية، بل اصبح يتابع مئات الوعاظ والمؤثرين من مختلف انحاء العالم. وهذا الواقع يحمل فرصا كبيرة لنشر الايمان، لكنه يحمل ايضا تحديات حقيقية، لان الثقافة الرقمية تقوم على السرعة والفردية والمقارنة المستمرة، بينما تحتاج الحياة الروحية الى التأمل والصبر والعلاقة الشخصية والجماعية.

 

ويبقى السؤال الاهم ليس كيف نعيد الشباب الى الكنيسة فحسب، بل كيف نجعل الكنيسة بيتا يشعر فيه كل شاب بانه محبوب ومسموع ومقدر وشريك حقيقي في رسالتها. فالكنيسة التي تصغي لشبابها ومؤمنيها ، وتحاورهم، وتثق بقدراتهم، وتعتمد العدالة والشفافية في توزيع المسؤوليات، وتستفيد من اصحاب الخبرة والكفاءة، ستكون اكثر قدرة على المحافظة على اجيالها، ومواصلة حمل رسالة المسيح الى المستقبل.