للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ- الحلقة 32

اشوربانيبال – ونهاية عيلام

يعكوب ابونا

 

رغم تدخلات اشوربانيبال في عيلام الا ان هذه التدخلات لم تستطيع ان تحد من الفوضى العارمة التي كانت تعاني منها عيلام، ولا ان تخلق جواً من الاستقرار السياسي او الاقتصادي. بسبب الخلافات المستمرة بين اطراف الحكم.

 فكان ملك العيلام  مكروهاً من قبل شعبه، لذا ثاروا عليه عظماء مملكته وقتلوه، قبل وصول انذار الملك اشوربانيبال اليه، وقام (هومبانحلداش) ملكا مكان الملك المقتول.

 الا ان الملك (تماريتا) الذي كان قد هرب مع اعوانه الى اشور عام 650 قبل الميلاد، من وجه الملك (يندابيكاش) الذي كان قد استولى على عرش عيلام.

 فقام الملك اشوربانيبال بارسال الملك- تماريتا– مع قوة عسكرية الى عيلام، فانضم اليه الكثير من العيلاميين، ولما علم الملك العيلامي الجالس على الكرسي الملوكية بتقدم الجيش الاشوري ومعه الملك المخلوع (تماريتا) هرب الى الجبال وترك سوسا، فدخلها – تماريتا – وجلس على العرش المملكة.

   ولكن بعد ان استقر الوضع للملك – تماريتا – في ملكه غدر بالاشوريين وخان عهده معهم، بعد ان اعادوا له ملكه. فجزائهم كانت خيانته لهم، فالقى القبض عليه وارسل مكبلاً بالسلاسل الى نينوى. وكان ذلك عام 647 قبل الميلاد. ولما خرجوا الاشوريين من سوسا، (شوشان)، انتهز الفرصة الملك "هومبانحلداش" المتحصن في الجبال، فعاد الى سوسا وملك عليها ثانية.

   فوجد اشوربانيبال بانه لم يحقق اهدافه من حملته على سوسا بدليل ان (الالهة نانا) بقيت في قبضة العيلام، والملك الكلدي/ الارامي الذي التجئ الى عيلام (نبو– بيل – شوم) بقى كذلك هو الاخر في عيلام. فجدد الملك اشوربانيبال عام 646 قبل الميلاد، الطلب من الملك عيلام ارسال الالهة (نانا) وتسليم الملك الكلدي الموجود لديهم. الا ان الملك العيلامي لم يستجيب لطلب الملك اشوربانيبال فرفض الانصياع الى تنفيذ هذا الطلب. مما وجد الملك الاشور ان ذلك مبرراً كافيا لغزوا عيلام. فقام بغزو بلاد عيلام واستولى على الكثير من المدن، الا ان ملك عيلام (هومبانحلداش) انتهز فرصة انشغال الجيش الاشوري بغزو مدنه فاسرع بالهروب ثانية الى الجبال. 

 

   نلاحظ وصف هذا الغزو في كتابات اشوربانيبال اذ يقول: (اني بارادة اشورواستار دخلت قصورها واسترحت فيها متعجرفاً وفتحت الكنوز واخذت الذهب والفضة وكل ما وجدت من الاموال والخيرات التي كان ملك عيلام الاول وخلفاءه قد جمعوها والتي لم يكن احد الاعداء قبلي قد مد يده عليها. واخذت ايضا تمثال الاله شومشيناك الساكن في الغابات والذي لم يكن احد قط قد راى وجهه الالهي واخذت تماثيل الالهة سمدو ولغمار وفرنيكيرا وامان كشيبار واودوران وشفاف. فسبيتُ كل هذه الاله والالهات الى اشور، مع ثرواتها وكنوزها وزينتها وكهنتها وعبادها. وارسلت ايضا الى اشور اثنين وثلاثين تمثالا من تماثيل الملوك كلها من الذهب والفضة والنحاس..... وكسرت الاسود المجنحة والثيران التي تحرس قصور بلاد عيلام ...).

 

 ويذكر بان تمثال الالهة نانا كان بين هذه التماثيل، فارسله اشوربانيبال الى مدينة اوروك ونصبه في هيكله القديم باحتفال مهيب وعظيم. بعد ان كان منفيا اكثر من 1635 سنة. فرجعوا الاشوريين بغنائمهم الى نينوى، اما الملك (هومبانحلداش) الذي كان محصنناً في الجبال، فبعد خروج الاشوريين عادة الى سوسا فوجدها مدمره، فذهب الى مدينة مدكتو واتخذها عاصمة له، فعاد اليه الاشوريين وحاصروه مما اضطر معه ان يسلم للقواد الاشورية، وارسل الى بابل وسجن هناك، واستولى اشوربانيبال على كل عيلام.

 اما الملك الكلدي الذي كان قد التجى الى عيلام فقد نشب بينه وبين حارسه عراك فقتل احدهما الاخر.

  

   ادت حملات اشوربانيبال على عيلام، الى تدمير وخراب مدنهم، واحتلال عاصمتهم سوسا. نجد ان اثار اشوربانيبال تذكر بهذا الصدد ((إني دمرت وخربت قبور ملوكهم الاوائل والسابقيين، الذين ماكانوا يبجلونا الاله والالهة عشتار، سيداي انا ..... وعرضتهم للشمس، واخذت عظامهم الى بلاد اشور وزرعت القلق في ارواحهم وحرمتها من تقدمة الماكولات واراقة الماء امامها.)).

 اسرى اشوربانيبال افراد العائلة المالكة والكثير من المسؤلين الكبار، واخذهم الى بلاد اشور، اما بقايا الجيش العيلامي فقد ضمه الى قوات الجيش الاشوري. واما الاخرين الذي سباهم من العيلاميين اسكنهم في شمال فلسطين كما جاء في سفر (عزرا 4 :9 – 10). واخذ حيواناتهم والغنائم الاخرى الى ارض اشور،" هنري ساغس جبروت اشور ص 170 "

  فيقول، ((جعلت حقولهم خالية من صوت الانسان ومن خطو دابة او غنمه ومن الصياح السعيد في البيوت الحصاديين، حيث اصبحت مربضا للحمار الوحشي والغزلان وكل انواع الحيوانات البرية )).

 

 كانت الحملة التي قادها ضد العيلاميين التي ادت الى تدمير مدنهم وقراهم، احد الاجراء المطلوب للحد من تهديدات عيلام في ذاك الوقت. وان شكلت تلك الحملة نوع من انواع الانتقام ورد الاعتبار من العيلاميين، خاصة عندما وجدوا بين المغانم (املاك وبضائع وذهب وفضة تعود الى بلاد سومر واكد وكل ارض بابل كان ملوك عيلام قد سلبوها في غضون غاراتهم السبع). ويقول لقد حطمت زفورة سوسة وانتهكت معابدها واسرت الهتها او "رميت الى الرياح" كما نبشت قبور موتى العيلانيين ومحي بلدهم من الخارطة بشكل رمزي. وهكذا تم انتقامه من العيلامين وبذلك وضع حدا للخصومة دامت اكثرمن ثلاثة الاف عام بين العيلاميين وسكان بلاد الرافدين. (جورج رو –العراق القديم – ص 445 - 446).

 

    بعد ان تم تدمير عيلام ومدنها جعل بقاياها قفاراً، فما كان من شعب الشمال الفرس الا ان يستغلوا الموقف، ويندفعوا الى تلك القفار وبقايا المدن العيلامية  ويسكنها، وبذلك شكل بؤرة الاحتلال مناطق كانت تعتبر ضمن جغرافية ومناطق الاشورية.

 

 ما كادت الحرب مع عيلام تضع اوزارها حتى اعلنت بابل العصيان بعد العلاقات الودية بين الاخوين اشوربانيبال واخوه شمش– شم– اوكن، التي دامت سبعة عشر علماً اي حتى عام 654 ق.م

 

والى الحلقة القادمة لنتعرف على ما جرى بين الاخوين.. واين وصلت العلاقة بين بابل ونينوى ... بعون الله ..

 يعكوب ابونا ............10 /7/ 2026