
من رحم النضال/ 26
د. مزاحم مبارك مال الله
حصلت الموافقة على انضمام عامر وصباح إلى الاتحاد، فقد ظهر أن كليهما من عائلتين يساريتين، ولدى كل منهما إخوة وأخوات في الجامعة من زملائنا.
انتظمنا نحن الأربعة (أنا و(هـ) وصباح وعامر) في اجتماع تنظيمي، وهو الأول على مستوى الإعدادية، وأي إعدادية! فهي تُعد مقفلة للبعثيين واتحادهم الوطني.
تدارسنا إمكانية إيجاد أو زرع زميل في كل شعبة من شعبنا، وهي (أ، ب، ج، د، هـ، و)، واتفقنا على تحقيق ذلك ضمن فترة زمنية محددة.
وفعلاً، وبعد مضي فترة ليست طويلة وبجهود حثيثة ومتابعة يومية، تمكنا من إيجاد ركائز في كل شعبة، منهم زملاء ومنهم أصدقاء.
توسع اتحادنا بفضل الإصرار والمثابرة، حيث واجهنا الضبابية التي كانت تغلّف وعي الطلبة، وهم مغيبون عن حقوقهم. وساعدنا في ذلك الظروف السياسية العامة في البلد، ونشاط القوى الوطنية والتقدمية فيه، خصوصًا الحزب الشيوعي العراقي، ناهيك عن وجود أساتذة طيبين في المدرسة متعاطفين مع الفكر التقدمي اليساري، ومنهم الأستاذ الجليل الراحل (ظاهر الشاوي)، والأستاذ محمد العاني مدرس الرياضيات، وكذلك الأستاذ عدنان سماكة.
كان الأستاذ ظاهر الشاوي، حين يدخل الصف، يكتب مقولة لـ"لينين" على السبورة ويطلب منا إعرابها، وأحيانًا كان يطلب منا كتابة إنشاء (تعبير) عن المرأة، وعن السلام مرة أخرى. وفي إنشاء عن المرأة حصلتُ على درجة كاملة (20/20)، وذكرني أستاذ ظاهر في باقي الشُعب، فجاء بعض الطلبة يتساءلون: ماذا كتبت؟ هذا الموقف سبب لي بعض المضايقات من قبل الاتحاد الوطني، فأخبرته، فقال لي: "لا تقلق.. إنهم ينبحون حينما يتألمون".
كنا نستخدم أسلوب استفزاز ملكات الأساتذة لمعرفة تعاطفهم معنا، وفي هذا المجال أتذكر أنه في امتحان الجغرافيا، وكان مدرس المادة الأستاذ عبد الرحيم، وهو إنسان طيب وخلوق، وضع سؤالًا عن معاهدة سايكس – بيكو، فكتبت كل ما أعرف، وخصوصًا فضحها من قبل الثورة البلشفية (طبعًا هذا الكلام لم يذكر في الكتاب، ولا أشار إليه في معرض شرحه للمادة حينها).
وقبل أن أسلّمه ورقة الامتحان سألته: "هل هذا الكلام صحيح أستاذ؟"
فقال، وهو يمسك قلمه ويشطب على ما كتبت: "نعم صحيح، بس لا تورّطنا يا مزاحم، أنت طالب شاطر عندي، واهتم بدراستك واترك السياسة".
شعرت بخيبة أمل، فاندفاع الشباب أحيانًا يرفعك إلى ما فوق السحاب.
اتبعت مدرستنا أسلوب الفرصة الطويلة التي تلي درسين متتاليين، فكنا نستغلها للتنزه كأفواج صغيرة مع الأساتذة، ومنهم الأستاذ عدنان سماكة الوقور، الذي أشيع عنه أنه يحب فتاة في الجامعة في قسم الدراسات العليا ويكتب الشعر عنها.
فدنوت منه، مسايرًا له في موضوع الحب، فقلت له: "أستاذ، الحب كمعركتنا من أجل التحرر".
انتبه إلي وقال: "بعدك صغير على هذا الكلام".
فقلت: "أستاذ، نحن اتحاد الطلبة العام ولا نخشى هؤلاء"، وكنت أقصد نظام البعث واذنابه.
(وقد وردت إلينا معلومات أن أحد أقاربه كان من مناضلي ثوار الأهوار في القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي).
وقدمت له بطاقة معايدة جميلة باسم الاتحاد، وإذا به يفاجئني ويمنحني دينارًا تبرعًا (وكان هذا أول تبرع أحصل عليه للاتحاد، بل في كل حياتي السياسية).
لم أندهش فقط، بل تفاجأت بهذه المبادرة العظيمة التي كانت سببًا في اندفاعي لطلب تبرعات من أساتذة آخرين، مثل الأستاذ ظاهر الشاوي.
وحصلتُ على التثمين العالي من قبل الزميل المسؤول، الزميل (ن، ع ) الذي وصف هذا التبرع بأنه جريء.
(يتبع)
