للذهاب الى صفحة الكاتب   

زيارة الزيدي لواشنطن… هل هي خطة بناء أم مجرد عشاء؟

الدكتور رياض السندي

دكتوراه في القانون الدولي

 

شئنا أم أبينا فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي راعية الوضع الحالي في العراق منذ الغزو والاحتلال الامريكي للعراق عام ٢٠٠٣ وحتى يومنا هذا.

وشئنا أم أبينا ايضاً، فإن نصف العراق ولاءه لايران مذهبيا وعقائديا منذ ٥٠٠ عام بعد تشيع بلاد فارس، وتعزز ذلك منذ ٥٠ سنة بعد ظهور الخميني وتوليه الحكم في ايران. ويضاف إلى هذا النصف، كل الجماعات والأحزاب المعارضة للدولة في العراق، كالاحزاب الكردية شمال العراق، والجماعات المسيحية المنشقة، وحتى الأقليات الأخرى رغم صغرها.

 

والكل يعترف وفي مقدمتهم الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب، إن غزو العراق خطأ كبير، ونتائجه كارثية على العراق المنكوب أولا، ومنطقة الشرق الأوسط، لا بل يصل تأثيره لأماكن بعيدة في العالم.

فمن الناحية الفكرية، اعتبر الوضع الجديد إنصافاً لفئة استبعدت من السلطة، بينما هي لم تكن مؤهلة لتولي السلطة أصلا، ولم تتعلم فن إدارة الدولة حتى الآن وبعد مرور قرابة ربع قرن.

 

ومن الناحية السياسية والقانونية، فإن المجموعة التي تولت الحكم في العراق بعد ٢٠٠٣ كانت في غالبيتها أجنبية ذات أصول عراقية. وهذا الوضع القانوني لمزدوجي الجنسية جعلهم في حكم سراق المال العام، وفي نفس الوقت، في منأى عن الخضوع للقانون العراقي، ومعظمهم سرق من أموال العراق وعاد إلى بلده الجديد دون محاسبة، والأمثلة كثيرة، وفي مقدمتهم ابراهيم الجعفري وزير الخارجية الأسبق الذي عاد لبريطانيا، وأيهم السامرائي وزير الكهرباء الأسبق الذي عاد لأمريكا. وهناك المئات غيرهم.

 

ومن الناحية العسكرية، فقد انهار النظام العسكري بعد قرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بحل الجيش العراقي عام ٢٠٠٣، ومهما بذلت من محاولات ترقيعية لاستعادة النظام العسكري بشكل صحيح، إلا انها لم تنجح تماما، وانكشفت عورة هذا النظام المرقع بدخول داعش وسيطرتهم على مدينة الموصل عام ٢٠١٤.

وهكذا فنحن أمام نظام متخلف، يستند عقائديا إلى حق الشيعة في الحكم خلافا لهيمنة السُنة للسلطة طيلة سبعة قرون. فمن يستطيع ان يخرج العراق من صراع سقيفة بني ساعدة عام ٦٣٢م؟

 

ومن الناحية الإدارية، فقد ساد العراق فسادا ادارياً لم يسبق له مثيل، واصبحت الرشوة أمراً شائعاً لدى جميع الموظفين على مختلف مستوياتهم، ما دام أساس النظام السياسي هو السرقة. ورأينا في الأيام الأخيرة، كيف ان الطبقة السياسية التي كانت تدعي عدم توفر الأموال لتغطية رواتب الموظفين، تحتفظ في بيوتها بتريليونات من الدنانير، ومليارات من الدولارات ومئات الكيلوغرامات من الذهب، وغير ذلك.

 

إن زيارة رئيس الوزراء العراقي الحالي علي الزيدي هي زيارة تقليدية اعتادت الإدارة الامريكية على اتباعها مع كل رئيس وزراء جديد في العراق، وقد زارهم المالكي عام ٢٠١٤، وزارهم العبادي عام ٢٠١٧، وزارهم السوداني عام ٢٠٢٤. والقصد من هذه الزيارات بالنسبة للولايات المتحدة هو ضمان مصالحها في العراق، والسير بحسب توجهاتها في المنطقة، وفي مقدمتها اليوم، تقليص النفوذ الإيراني فيها.

وكل هذه الزيارات، وغيرها الكثير لم تحقق النتيجة أو النتائج المطلوبة لفقدان عنصر أساسي ومهم هو (وجود الدولة). فالدولة موجود كهيكل بناء وليس بناء متكامل. ووجودها شكلي وغير واقعي.

والإدارات الامريكية تعتمد الأسلوب الأمريكي في التعامل وهو الاحترام في البداية فقط، ثم سيل من الإهانات واتخاذ الخطوات لإسقاط المستهدف واستبعاده، وهذا ما فعلته مع كل الطبقة السياسية في العراق. وقد نشرت مقالا بهذا الصدد عام ٢٠١٧ بعنوان (العشاء الأخير للعبادي في واشنطن). فهل ستكون زيارة الزيدي لواشنطن اليوم على هذا الغرار؟

أولا، يجب الاعتراف ان أولى خطوات الزيدي في مكافحة الفساد في العراق قد حظيت بقبول شعبي كبير، وان خطواته تجاه نزع سلاح الميليشيات والفصائل المسلحة الموالية لايران تبدو مشجعة، وان آخر موعد لها هو نهاية شهر سبتمبر القادم.

ثانيا، ان على الزيدي الارتكاز على طبقة ادارية جديدة لتحقيق الطموحات المطلوبة، وهذا يقتضي استبعاد معظم الطبقة الإدارية الحالية لأن الفساد قد ترسخ فيها.

ثالثا، ان على الزيدي ان يضع خطة لسياسة خارجية رصينة للتعامل مع دول العالم وفي مقدمتها أمريكان وايران وفق التوجهات السياسية الجديدة في المنطقة، وان السياسة الخارجية العراقية منذ الغزو الأمريكي قد سلمت لاكراد العراق، ولكنهم لم ينجحوا في تفضيل سياسة الدولة على سياسة القومية الكردية التي ينتمون اليها، وهذا قاد إلى اخفاق كبير في هذا المجال المهم.

 

إن كل ما يقدمه قادة العراق لأمريكا وايران هو أموال النفط العراقي التي حرموا منها الشعب العراقي وهو صاحب هذه الأموال، وقدموها لدول اجنبية، ولهذا فإن كل ما يقدمه اي رئيس وزراء عراقي لواشنطن هو الاستثمار والشراكة الاقتصادية. وهذا ما يهم الإدارات الامريكية السابقة، باستثاء إدارة ترامب الحالية، لأن توجهها هو لضم ايران اليها ضمانا لاقتصادها مستقبلا، بعد ان بدأ العراق يجف ويفلس.

 

ومن ناحية أخرى، فإن كل رؤساء الوزارات في العراق يتعكزون على العلاقة مع العراقيين المتجنسين بالجنسية الأمريكية، فيطلبون منهم العودة للعراق، والاستثمار فيه، وخلق لوبي مؤثر في امريكا، متناسين ان هذه الفئة الكبيرة قد هربت أساساً من استبداد واضطهاد الإدارات العراقية المتعاقبة، وان تأثيرها ضعيف في الولايات المتحدة الأمريكية لأنهم اليوم يعدون أمريكيين من الناحية القانونية وتستطيع امريكا محاسبتهم على أقل خطأ سواء أكان مقصودا او غير مقصود. كما ان البيئة العراقية غير صالحة للاستثمار في الوقت الحالي، بسبب ضعف الحماية القانونية للمستثمر وتفشي الفساد في الإدارة هناك. وحتى عودتهم تبدو شبه مستحيلة فقد نظموا حياتهم وفقا لبلد متطور، ويصعب عودتهم لبلد متخلف حتى في الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء في بلد حار يقع على خط الاستواء.

 

إن افضل ما يمكن ان يقدمه رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي في زيارته لواشنطن هو ما يلي:

١. طلب مساعدة الولايات المتحدة للقضاء على الميليشيات والفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة.

٢. طلب مساعدة الولايات المتحدة للقضاء على الفساد وملاحقة الفاسدين وتسليمهم للقضاء العراقي، حتى اولئك الموجودين في امريكا ودول اوربية أخرى.

٣. الطلب من الإدارة الحالية للرئيس ترامب تصحيح الأوضاع الشاذة التي خلقها الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ والخروج من فلسفة إنصاف الشيعة ومنحهم الحكم، فالدولة لا تقوم على الدين والمذهب بل على الولاء للوطن.

٤. الطلب من الإدارة الأمريكية تصحيح الوضع الذي تم خلقه في العراق عام ١٩٩١ في كردستان العراق، مع استمرار الصراع بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والاتحاد، ومع استمرار الخلاف بين الإقليم والمركز حول الرواتب وتصدير النفط.

٥. العمل مع الإدارة الأمريكية لإعادة العراقيين الراغبين بالعودة لوطنهم، والذين تستبعدهم الإدارة الأمريكية لأسباب مختلفة، والتماهي مع سياسة الإدارة الحالية في تقليص المهاجرين، لأن الأوضاع الدولية في معظم دول العالم وفي مقدمتها أمريكا تسير في هذا الاتجاه، ولتلافي مواجهة معضلة اللاجئين والمهاجرين قريباً، والتي تبدو كل المؤشرات انها ستحدث في المستقبل المنظور.

 

بهذه الخطوات، سيعود علي الزيدي إلى العراق حاملا خطة بناء، وسيجد تأييداّ شعبياّ عراقياً منقطع النظير، وسيحمل العراقيون طائرته كما حمل الإيرانيون طائرة خميني عام ١٩٧٩. وسيكتب له التاريخ إعادة قطار العراق إلى السكة، وبخلاف ذلك، ستكون مجرد زيارة عشاء.

 

الدكتور رياض السندي

دكتوراه في القانون الدولي

٢٠٢٦/٧/١٣