
دوافع الموقف من ثورة 14 تموز 1958
يوسف أبو الفوز
مساهمة في الملف الخاص عن ثورة 14 تموز الذي نشرته طريق الشعب البغدادية لعددها يوم 14 تموز 2026
يتفق كثيرون على أن ثورة الرابع عشر من تموز 1958 لم تكن مجرد انقلاب عسكري على نظام حكم واستبداله بآخر، بل مثلت تحولاً تاريخياً عميقاً في بنية الدولة العراقية والمجتمع والاقتصاد والعلاقات الدولية. إذ نجحت في إنهاء النظام الملكي المرتبط بالنفوذ الاستعمار البريطاني، وأعلنت قيام الجمهورية، وفتحت الباب أمام مشروع سياسي واجتماعي سعى إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة والسيادة والعدالة الاجتماعية. وإن استمرار الجدل حول ثورة الرابع عشر من تموز، بعد ما يقارب سبعة عقود، ولجوء البرلمان العراقي إلى إلغاء يوم 14 تموز كيوم عطلة وعيد وطني، دليل على أنها لم تكن حدثاً عابراً، بل لحظة مفصلية ما تزال آثارها حاضرة في الوعي العراقي، وهذا يدفعنا إلى التساؤل: لماذا أصبحت ثورة 14 تموز هدفاً لحملات التشويه ومحاولات التقليل من شأنها؟
أعتقد أن كثيرين لن يختلفوا في كون الإجابة لا تتعلق بحدث الرابع عشر من تموز ذاته، بقدر ما تكمن في طبيعة التحولات التي أحدثها، وفي المصالح التي مستها، وفي الصراع المستمر على كتابة التاريخ الوطني. فالثورات الكبرى لا تُحاكم في الغالب على وقائعها وحدها، وإنما على ما تمثله من قطيعة مع نظام قديم، وعلى ما تفتحه من آفاق جديدة تعيد توزيع السلطة والثروة والنفوذ.
لقد أنهت ثورة الرابع عشر من تموز، التي ساندتها جماهير الشعب، وحولتها من حركة ضباط أحرار، وأعطتها زخماً شعبياً لتكون ثورة، نظاماً ملكياً كان، رغم ما يقال عن تحقيقه من إنجازات في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، مرتبطاً بشكل كبير بالنفوذ البريطاني ومصالحه الاستعمارية الاستراتيجية. ولم يكن استقلال العراق، قبل عام 1958، استقلالاً كاملاً بالمعنى السياسي والاستراتيجي، إذ ظلت السياسة الخارجية والخيارات الأمنية والاقتصادية مرهونة، بشكل واضح، بالمصالح البريطانية والغربية.
ولذلك مثّل انسحاب العراق من حلف بغداد، واعتماد سياسة خارجية أكثر استقلالاً، والانفتاح على الدول الاشتراكية ودول العالم الثالث، وتوسيع العلاقات مع دول الجوار على أساس المصالح الوطنية، تحولاً مهماً في مفهوم السيادة العراقية، وهو ما جعل الثورة تمثل مشروعاً للتحرر الوطني، وليس مجرد انتقال من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، وهذا قرع جرس الخطر في الدوائر الغربية، فبدأت التآمر منذ الأيام الأولى ضد الجمهورية الناشئة.
ويتطلب الأمر الإشارة إلى أن الإنجاز الأكبر للثورة، الذي أغاظ أعداءها، لم يكن سياسياً فحسب، بل اجتماعياً أيضاً. فقد تبنت برنامجاً واسعاً للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، كان أبرز ملامحه إصدار قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّ من هيمنة الإقطاع على الأراضي الزراعية، وساهم في توسيع فرص التعليم، وعزز دور الدولة في التنمية، وحسّن أوضاع العمال والفلاحين، فضلاً عن إصدار تشريعات هدفت إلى بناء مجتمع أكثر عدالة. ولا ننسى أن إصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 شكّل خطوة إصلاحية مهمة في تنظيم شؤون الأسرة، ومنح المرأة العراقية حقوقاً عدّها كثير من الباحثين من أكثر الحقوق تقدماً في المنطقة آنذاك.
وفي مراجعة سريعة لدفاتر الثورة، كما يقال، نجد أن الإصلاحات لم تتوقف عند الجانب الاجتماعي، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي، حيث سعت ثورة 14 تموز إلى تعزيز سيادتها على مواردها الوطنية، فكان قانون رقم 80 لسنة 1961 محطة بارزة في مسار استعادة القرار الاقتصادي وتقليص هيمنة شركات النفط الأجنبية على الثروة الوطنية. وبذلك لم تعد الدولة مجرد حارس للنظام القائم، بل أصبحت لاعباً رئيسياً في التنمية وإعادة توزيع الموارد، ويعد كثير من المراقبين أن هذا كان سبباً أساسياً أدى إلى اغتيال الثورة.
إن كل هذه التحولات الجذرية لم يكن من الممكن أن تمر بسهولة، من دون معارضة، بل ومقاومة شرسة، لذلك تكررت المؤامرات لإسقاط الثورة واغتيالها، لأنها وجهت ضربات مباشرة مميتة لمصالح قوى نافذة استندت إلى طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي السابق، وفي مقدمة ذلك كان كبار ملاك الأراضي، ومعهم الشرائح المستفيدة من استمرار البنية الإقطاعية، فضلاً عن قوى سياسية قومية رأت في مشروع الثورة تهديداً مباشراً لنفوذها ومواقعها التقليدية. فكان من السهولة تشكيل جبهة واسعة من المعارضين، رغم الاختلافات في دوافع أطرافها، لكنها التقت واتفقت على رفض المشروع الذي حملته الثورة.
ولا يجب إغفال معارضة بعض المرجعيات والشخصيات الدينية، خصوصاً بعد صدور قانون الأحوال الشخصية، حيث اعتبروه تجاوزاً على المؤسسة الدينية واختصاصها. ويرى عدد من الباحثين أن جانباً من المعارضة لم يكن متعلقاً بالبعد الفقهي وحده، بل ارتبط أيضاً بتراجع النفوذ التشريعي والاجتماعي للمؤسسة الدينية بعد تبني الدولة مشروعاً قانونياً مدنياً.
ولو نظرنا إلى الخارطة الدولية والإقليمية، سنجد أن ثورة الرابع عشر من تموز، وفي سياق الحرب الباردة بين الشرق والغرب، واجهت ضغوطاً إقليمية ودولية مكثفة، انعكست بشكل واضح على الجبهة الداخلية، وغذّت الانقسامات بينها، وطريقة قيادة الثورة في توجيه وقيادة مشروع التغيير.
يمكن القول إن الجدل حول ثورة 14 تموز لم يتوقف، كونه في حقيقته خلافاً حول العراق المطلوب: هل هي دولة العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، أم عراق المصالح والامتيازات؟ وعلينا الإقرار بأن الحديث بفخر عن ثورة الرابع عشر من تموز لا يعني الموافقة على ما رافقها من أخطاء وإخفاقات، ولكننا لا يمكن أن نختزل حدثاً عظيماً ترك تأثيره على تاريخ المنطقة في تلك الأخطاء، ولا يمكن تحميل الثورة مسؤولية ما حصل من انقلابات وصراعات لاحقة، وهو تفسير يفتقر الى المنهجية التاريخية، لأن التاريخ تصنعه جملة من التفاعلات المعقدة، تتداخل فيها الظروف الذاتية والموضوعية، ولا يمكن تفسيرها بحدث واحد مهما كان مهماً.
إن استمرار الهجوم على ثورة الرابع عشر من تموز لا يعكس ضعفها، بل يعكس عمق الأثر الذي تركته في المجتمع العراقي. فالأحداث الهامشية لا يختلف الناس حولها بعد سبعة عقود، أما الثورات التي تعيد توزيع السلطة والثروة وتغير موازين القوى، فإنها تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية، لأنها لا تغير الحكومات فحسب، بل تعيد صياغة الوعي السياسي للأمة. ولهذا ستبقى ثورة الرابع عشر من تموز علامة فارقة في التاريخ العراقي، سواء اتفق معها الجميع أم اختلفوا حولها. فلم يكن الصراع على ثورة 14 تموز صراعاً على الماضي، بل صراعاً على المستقبل الذي بشرت به.
