للذهاب الى صفحة الكاتب   

تمهيد: "تفكيك المصادرات في الخطاب السلفي الانتحاري الداعشي"

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

صدر قبل أيام قليلة كتابي الجديد "تفكيك المصادرات في الخطاب السلفي الانتحاري الداعشي" وهو الثالث الذي أصدرته دار "أنساق" البغدادية هذا العام. الكتاب عبارة عن دراسة واحدة في عدة فصول أعدت كتابتها خلال العام الماضي بهدف مقاربة ظاهرة "السلفية الدينية الانتحارية -الداعشية". أنشر أدناه مقدمته بهدف التعريف به:     

 

تمهيد

هذا الكتاب يضم دراسة تحليلية نقدية طويلة واحدة لمقاربة ظاهرة "السلفية الدينية الانتحارية" وفق منهجية يمكن وصفها بأنها استقصائية نقدية أسلوباً، وتاريخية اجتماعية موضوعاً، في تعاملها مع المادة التراثية موضوعها ومع استطالاتها وإفرازاتها المعاصرة. وهي مقاربة لا تخفي نوعاً من الانتقائية المنحازة التي تدعو إلى استلهام ما هو مضيء وإيجابي وكفاحي في التراث العربي الإسلامي والشرقي بعامة، وناقدة -هاجية لكل ما هو معتم ورجعي معيارياً وحضاريا فيه، وأيضا، وفي الوقت عينه، ناقدة للنزعة الاستشراقية العنصرية في تناوله أحيانا. ولكنها في تناولها للحَيْثِ التاريخي تحاول أن توازن بين هذه الانتقائية النقدية التحليلية والموضوعية الدقيقة، فلا تغلب رؤية أيديولوجية معينة على قراءة الوقائع والشخصيات التاريخية، بل ستعمد إلى الأخذ بالصرامة المنهجية المطلوبة في البحث التحليلي المقارِن التاريخي. 

 

يبقى الهمُّ المعرفي التاريخي والتراثي، الباحث عن الحقيقة بوقائعها وأفقها السياسي المَعِيش، هو الأصل والمبتغى والأسلوب المنهجي المعتمد. إنه منهج تحليلي يشتغل ويقارب مفرداته ضمن أجواء السجال "السيافكري" المستمر والمتساوق مع صراع اجتماعي بلغ درجة الاقتتال الدموي والقتل والتهجير على الهوية الدينية الطائفية منذ عقود في المشهد الثقافي العربي والعراقي بخاصة، والبالغ ذروته العُنفيَّة الدموية مع صعود وانتشار الجماعات السلفية الانتحارية والأخرى الطائفية السياسية والاجتماعية المتواشجة بنيويا ووظيفيا مع مشاريع دول العدوان والاحتلال الغربي، التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية منذ 2003؛ سنة احتلال العراق، وما قبلها.

 

كتبتُ هذه الدراسة على أجزاء ونشرتُ بعضها كمقالات صحافية خلال فترة التمرد السلفي الداعشي في العراق ولفترة بعد القضاء عليه بفضل الهبة الشعبية العارمة للمقاتلين المتطوعين العراقيين وبخاصة من أبناء الطبقات الفقيرة والكادحة. تأتي فقرات هذه الدراسة ملفوحة بشيء من وهج وحرارة وقائع تلك الأيام وما صاحبها من مشاعر مضطرمة وتقييمات وأحكام قد تبدو للوهلة الأولى متسرعة ولا تكاد تعبُر سطح الظواهر والأحداث، ومنها أيضا تستمد شيئا من الشرعية التأليفية والبحثية في خطها الاستقصائي والتحليلي.

 

لقد ترافقت تلك المشاريع الغربية المعادية، والتي بلغت ذروتها في حرب احتلال العراق سنة 2003، وبشكل قصدي ومخطط له غالباً من قبل مؤسسات العدوان، مع تفاقم دموية النظام الاستبدادي الحاكم واستئساده على شعبه بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق القديم والحديث، كما صاحبه انقسام المجتمعات العربية والإسلامية التعددية دينياً وطائفياً ومذهبياً، انقساماً سياسياً ونفسياً عنيفا، بلغ درجة الاستقطاب والتناحر والاشتباك المسلح في حروب أهلية واقتتال داخلي مرير، وخصوصاً في ليبيا واليمن حيث استمر التآكل والتدمير الذاتي للدولة والمجتمع عبر الحروب بالوكالة لزمن طويل، وفي العراق وسوريا اللذين لم يَشفع لهما واقعُ أنهما بلدان ومجتمعان عريقان في التعددية الدينية والطائفية والإثنية، التي وسمت المجتمعات الشرقية والإسلامية عموماً في عصر الحضارة العربية الإسلامية البالغة ذروتها في بغداد العباسية، وميزتها بقوة عن المجتمعات الواحدية واللافظة للمختلِف والمخالِف في أوروبا.

 

أما في أوروبا فقد انتهى التنوع الهوياتي والتعددية الدينية والإثنية غالبا بشكل مبكر وبعد سلسلة الحروب الدينية إثر الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر وخاصة في حرب الثلاثين عاما. وتوجت بمجازر طائفية دامية بلغت ذروتها في مجزرة "سانت بارتيليمي"[1]، في فرنسا. وقد استمرت موجة الحروب الدينية التي عاشتها القارة العجوز حتى بدايات القرن الثامن عشر. ولم يبقَ فيها، وخصوصا في غربها إلا "جزر" تعددية مجتمعياً كالدولة الاتحادية السويسرية التي تحصنت خلف تضاريسها الطبيعية الوعرة لتصد موجات التصفيات والتوحيد الهوياتي القسري.

 

لقد حافظت هذه الأخيرة على نوع رجراج من الثنائية الطائفية الدينية والتعددية اللغوية والقومية المستقرة والراسخة، ويمكن تعليل ذلك الرسوخ والاستقرار بكون سويسرا بلداً داخلياً (حبيساً) لا يطل على بحر أو محيط، وبكونه ذا تضاريس طبيعية وعرة، وقد انفرد بأنه ليس له ماضٍ استعماري وينفرد بنظام حكم نادر المثيل، يتمثل في ما يسمونه نظام "الديموقراطية المباشرة" القائمة على التناوب في الشأن التنفيذي، وحكم الشعب عبر الاستفتاءات الدورية حول جميع الشؤون الحياتية التي تهم المجتمع والدولة، مهما صغُرت، ومحدودية صلاحيات مؤسسات الحاكمة ورؤسائها.

 

غير أن النهوض الأوروبي الغربي الذي تلا تلك المرحلة، جعل تلك الحروب والانتهاكات الدينية والطائفية التي دامت لعدة قرون شيئاً من الماضي ومخزناً للذكريات السوداء، وحلَّت محلها تداعيات وإفرازات عصر الغزو الخارجي واستعمار القارات الأخرى واضطهاد شعوبها بل وحتى إبادة بعضها وإزالتها من الوجود كما حدث للشعوب الأصلية في القارتين الأميركيتين وأستراليا، واختطاف وبيع فئات واسعة من شعوب القارة الأفريقية كعبيد التهم البحر المحيط بضعة ملايين منهم. وقد ترافق ذلك مع نشر وتعميق التجارب الانتخابية ودولة المؤسسات وترسيخ المبادئ العامة لحقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة في بلدان الداخل الأوروبي الغربي والأميركي بدايةً.

 

معنى ذلك، ضمن معانٍ أخرى، أن مقاربة هذه العناوين بالتحليل والحفر المنهجي والتفكيك النقدي، ليست من الترف الفكري المحايد برطانته الأكاديمية المعقدة وتردده في المسِّ بجذور المشكلات المتفاقمة، بل هي تستمد راهنيتها و"كفاحيتها" من راهنية وعمق المأساة التي تعيشها شعوبنا اليوم، في ظل دول فاشلة، ناقصة السيادة والاستقلال، ومُهَيْمَن عليها من قبل دول إمبريالية أو إقليمية استبدادية، ومهددة على الدوام بالعدوان المسلح من قبل الكيان الصهيوني "حاملة الطائرات الثابتة وغير القابلة للغرق"؛ على حد تعبير وزير الدفاع الخارجية الأسبق ألكساندر هيغ[2].

 

تتطلب هذه المقاربة النظرية التحليلية النقدية التاريخية التي تحمل عنوان "نقد الخطاب السلفيِّ الانتحاريّ وتفكيك مصادراته"، والتي لا تخلو من التعقيد والتشابك أحيانا، حلَّ وتفكيك العديد من المشكلات والإشكالات المنهجية النظرية والاصطلاحية السلفية والأصولية، واستطلاع وتبيين الفروق بينهما ضمن سياقهما التاريخي والموضوعي العام. وسنناقش فيها المقدمات التعريفية والسياقية - النسقية للسلفية والأصولية، والفرق بينهما في اللغة العربية واللغات الأجنبية وفي الاستعمال الاصطلاحي السائد؛ محاولينَ تفحص التفرعات الداخلية للسلفية الإسلامية ودوافعها وجذورها الحقيقية والمزيفة، حسب محتواها وماهيتها المضمونية الاجتماعية والفكرية وتجلياتها الممارساتية شبه الفاشية.

 

ضمن هذا الإطار المفاهيمي العام، سنناقش ونحلل عناوين أخرى منها: الجذور التاريخية لظاهرة المقاتل الانتحاري الذي لم يكن له وجود في كل التراث العربي الإسلامي. دارسين بعض الأمثلة على الأفعال الانتحارية الحربية في التاريخ القديم والحديث، متوقفين بإسهاب عند الحركات والتنظيمات السلفية الانتحارية والتي بلغت ذروتها في صعود "تنظيم قاعدة الجهاد" التي استقر اسمها في الإعلام لاحقا عند اسم "تنظيم القاعدة" التي تأسست في أفغانستان بين آب- أغسطس 1988 وأواخر 1989 / أوائل 1990، ثم "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، التي أمست تسمى اختزالا "داعش". وسنتوقف بشيء من التفصيل والتوثيق عند تجربة منظمة أبي مصعب الزرقاوي المسلحة، وبدايات السلفية الانتحارية وعلاقة مؤسسها بالشيخ عصام البرقاوي، وبدايات التأسيس النظري وخلافاته مع الزرقاوي. وفي الدراسة ذاتها، سنتصدى بالتفكيك والكشف لمحاولات التنظيمات السلفية الانتحارية المعاصرة مصادرة وتوظيف عدد من الشخصيات والوقائع التراثية الإسلامية التي أرادت احتسابها على الفكر السلفي الانتحاري، وما هي كذلك على الإطلاق. حيث سنحاول تأكيد براءة صحابة النبي العربي الكريم الأجلاء وتنزيههم بالأدلة التأريخية الموثقة من شبهة القتال الانتحاري التي ألصقتها بهم زورا السلفية الانتحارية المعاصرة، ومن هؤلاء الصحابة: البراء بن مالك، وعامر بن الأكوع، وهشام بن عامر، متطرقين إلى موضوعة التكفير وحكم المنتحر في الإسلام وحكم المرتد في الفقهين السني والشيعي الاثني عشري، مستعرضين سجالا إعلاميا فقهيا حول تكفير المخالف. ومحاولين إماطة اللثام عن محاولات السلفية الانتحارية المعاصرة توظيف بعض الوقائع والمصطلحات التراثية توظيفا انتهازيا لا علاقة له بسياقها التاريخي ولا بتفاصيلها الحقيقية التي تم تزويرها وتحريفها ومنها مثلا؛ القتل النكائي والتتريس والانغماس في الصف وقضية العصمتين في الحرب.

 

ننتقل بعد ذلك، وعلى امتداد الفصلين الأخيرين من الكتاب، إلى قراءة تحليلية لنماذج من النظريات والآراء والمقولات التي عبرت عنها كتابات بعض المستشرقين الأوروبيين حول ما يتعلق بمقولة "الجهاد" في الإسلام والحركات الإسلامية الجهادية المعاصرة؛ متوقفين نقدياً بشكل خاص عند فرضيات الباحث الأميركي وليم بولك، لنحلل بعد ذلك نماذج منتقاة من التحليلات واستنتاجات المنصفة للباحثة البريطانية كارين آرمسترونغ (Karen Armstrong) ، وكيف شرَّحت بعمق العلاقة بين هذه الحركات الجهادية السلفية والسياق الجغراسياسي العالمي المعاصر الذي نشأت ونشطت فيه؛ مستعرضين تحليلها لجذور شعار "الحرية" كصرخة حرب عدوانية غربية، وكيف ولدت في القرن السادس عشر الميلادي مع بدء غزوات الفرنجة "الحرب الصليبية"؛ مقدمين قراءة تحليلية أخرى في محاور محددة من كتاب الباحثة الأميركية الهندية ديبا كومار في كتابها الموسوم "فوبيا الإسلام والسياسة الإمبريالية"، معرفين ببعض مظاهر الاستشراق الغربي وأسسه، متطرقين الى ما تسميه كومار "العنصرية الحيوية /البيولوجية" والأخرى الثقافية، ثم نتابع محاولات الباحثة نقد وتفكيك ما تسميه الأكاذيب الخمس التي يستند ويقوم عليها الخطاب الإسلاموفوبي كالتحيز الجنسي ضد المرأة، وامتزاج الإسلام بالعنف المتأصل فيه، وخلط الإسلام بالاستبداد الشرقي، واتهامه كدين بالعداء البدئي المزعوم للديموقراطية، خاتمين هذه القراءة بإضاءة على جذور ظاهرة الإسلاموفوبيا "الرُّهاب من الإسلام"، كما سلطها الراحل إدوارد سعيد في نقده لجوهر وآليات وتمظهرات الاستشراقية العنصرية الموجهة ضد الإسلام دون غيره من أديان، ووضع هذا العداء في سياقه التاريخي الاجتماعي الجغراسياسي العالمي الصحيح.

 

أود في هذه المناسبة، أن أعبر عن جزيل شكري لجميع الأصدقاء والصديقات الذين اطلعوا على مخطوطة هذا الكتاب وأمدوني بالكثير من الملاحظات والنصائح والاقتراحات المفيدة. كما أشكر جزيل الشكر صديقي الأستاذ عقيل الأزرقي والعاملين معه في دار "أنساق"، وخصوصا الصديق الكاتب حيدر عودة، على كل ما أبدوه من جهود واهتمام ليصدر الكتاب بهذا الشكل الراقي والدقيق.

 

علاء اللامي

جنيف: شتاء 2026

 

 [1] - مذبحة سان بارتيليمي حدثت في فرنسا عام 1572 وقد قُتلت خلالها أعداد كبيرة من الفرنسيين البروتستانت على يد السلطات الكاثوليكية والمتعصبين من الكاثوليك. وكان الهدف منها القضاء على البروتستانت تماماً، وذلك بأوامر من الملك شارل التاسع ووالدته كاترين دي ميديشي خوفاً من سطوة وانتشار البروتستانتية. لقد كانت الكنيسة الكاثوليكية متواطئة ومشاركة في المجزرة، ففي يوم 24 أغسطس دقت أجراس الكنائس إشارة للجنود والمتطوعين من الأهالي المتحمسين الذين باتوا ليلتهم ينتظرون تلك الإشارة أمراً صريحا بالبدء في الفتك بالبروتستانت إلا أنها دقت بوقت أبكر من الوقت المعلوم للصلاة، فشعر البروتستانت بالخطر وهرب بعضهم خارج المدينة أو لجأوا لدى أقاربهم من الكاثوليك إلا أن هؤلاء أيضاً خضعوا للهجوم، ومن لم يستطيعوا الهرب دوهموا في بيوتهم. وقُتلوا بكافة أعمارهم. الأرقام متضاربة حول الضحايا منهم من يقول إنها تصل إلى ستين الفاً. الموسوعة الحرة.

 

[2] - هذا ما كتبه يورام إيتنغر مستشار في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ورئيس المشاريع الخاصة في مركز آرييل لأبحاث السياسة، واقتبسه المناضل الماركسي ضد الصهيونية موشيه مكوفر في وثيقته المعنونة "إسرائيل وفلسطين: الصراع والحل"، والمنشورة باللغة الإنكليزية على موقع (www.marxists.org). كتب يورام اتينغر (لكن وزير الخارجية الأسبق وقائد قوات الناتو ألكسندر هيغ نفى هذا الادعاء، قائلاً إنه مؤيد لإسرائيل لأن إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم لا يمكن إغراقها، ولا تحمل حتى جنديًا أمريكيًا واحدًا، ويقع في منطقة حرجة للأمن القومي الأمريكي). وألكسندر هيغ (Alexander Haig) هو سياسي وعسكري – وجنرال - أمريكي معروف (1924-2010)، تولى منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس الجمهوري رونالد ريغان (1981-1982)، ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهدي الرئيسين نيكسون وفورد. عرف بكونه يمينياً محافظاً متشدداً، وشارك في إدارة حرب العدوان على فيتنام وعلى لبنان 1982. توفي في 20 فبراير 2010.