للذهاب الى صفحة الكاتب   

١٤ تموز.. الثورة التي اكلت أبناءها الشرعيين

محمد حمد

 

 

ما زال الجدل والنقاش قائما منذ عقود حول طبيعة (ثورة) ١٤ تموز في العراق عام ١٩٥٨. ولم يتوقف النقاش إلى يومنا هذا بين أنصار تلك "الثورة" وبين من لا يرى فيها شيئا "ثوريا" بالمعنى المتعارف عليه عن الثورات التي سبقتها في بلدان مختلفة. وفي زمن كانت "الثورة" في أكثر من مكان تلوح في الأفق. وكانت الظروف الخارجية والداخلية جاهزة لاستقبال اي حدث جديد يحرّك المياه الراكدة في البلاد.

ولكن ما يجعل (ثورة) ١٤ تموز ليست ثورة حقيقية ويقربها من الانقلاب العسكري. وهذا لا يقلل ابدا من شأنها وتأثيرها وانجازاتها في العراق، هو أن قادتها جميعا كانوا من الضباط الأحرار. واستمروا في قيادتها حتى جاء انقلاب شباط الفاشي عام ١٩٦٣ وأنهى مشوارها القصير.

 

ما يجعلني اعتبر ١٤ تمور ليست ثورة هو أنها انتهت بظرف بضع سنوات. ولو القينا نظرة على الثورات الاخرى، كثورة أكتوبر الاشتراكية والثورة الكوبية، واخيرا الثورة الإيرانية. نلاحظ اولا وجود قائد يتمتع بكاريزما مميزة وحضور شعبي وتأثير سياسي واسع. وهذا ما كان ينقص (ثورة) ١٤ تموز في العراق. كما أن الجماهير، خلافا لبقية الثورات التي ذكرتها، التحقت بها بعد أن حصل الذي حصل. كما نلاحظ ايضا، وهذه نقطة مهمة جدا، أن الثورات الحقيقية استمرت لسنوات طويلة. فثورة اكتوبر الاشتراكية بنت وأسست اقوى دولة عظمى في التاريخ المعاصر ممثلة بالاتحاد السوفيتي. وتركت بصماتها الواضحة على مجمل الساحة الدولية لعدة عقود. وكذا الحال في ثورة الخميني في إيران. ما زالت، رغم كل الصعوبات والعقوبات والحروب، مستمرة وفي افضل حال بغض النظر عن موقفنا من النظام الحاكم في طهران.

 

ولو كانت (ثورة) ١٤ تموز ثورة كثورة الخميني في إيران لاستمرت لأكثر من ٥ سنوات. وما كان ينقصها في رايي المتواضع هو "قائد" تتوفر فيه صفات القيادة السياسية والفكرية مدعوما بحركة جماهيرية واسعة تلتف حوله. والثورة كما يقول المنظرون والمفكرون الاوائل تحتاج، لكي يحالفها النجاح، إلى عوامل موضوعية وذاتية. واحد هاذين العنصرين لم يكن متوفرا بالشكل المطلوب في (ثورة) ١٤ تموز عام ١٩٥٨. وينقل عن الرفيق لينين ما معناه، لا يكفي القيام بالثورة بل بالحفاظ على إنجازاتها والاستمرار في تطوير. مسيرتها.

 

لقد شهد العراق قبل عام ١٩٥٨ عدة انقلابات عسكرية واجهتها السلطات آنذاك بالحديد والنار. اعدامات وسجون ونفي إلى نگرة السلمان وغيرها من أساليب القمع والاضطهاد المرعبة. وبالتالي يمكن اعتبار ١٤ تموز امتدادا للنشاط الوطني الذي كان منتشرا في صفوف القوات المسلحة، متأثرا بشكل ما بالثورات والحركات الإقليمية والدولية. كالثورة المصرية على سبيل المثال.

 

أن ١٤ تموز في العراق يمكن اعتبارها ثورة ولدت من رحم انقلاب عسكري كان الناس في انتظاره. كما أن البعض أراد لها أن تكون ثورة. وهذا الذي حصل! ومع ذلك يبقى تاريخ ١٤ تموز ١٩٥٨ في العراق علامة فارقة في تاريخنا الحديث. وسوف يستمر الجدل والنقاش حول طبيعتها "الثورية" ومدى تأثيرها، السلبي أو الايجابي، على الأحداث اللاحقة التي عاشها العراق...