
من رحم النضال/ 31
د. مزاحم مبارك مال الله
بدأت أيام امتحانات البكالوريا للسادس الإعدادي تقترب، واتفقنا أنا وهاشم أن ندرس ونراجع سويّةً؛ مرةً في بيتهم ومرةً في بيتنا، وفعلاً نفّذنا الاتفاق.
أثناء فترة المراجعة (حيث كنا نأخذ مدةً ليست قصيرة نبقى فيها في البيوت ولا نباشر بالحضور إلى المدرسة)، جاء إلى بيتنا الزميل نذير، أخو محمد، مرةً ثانية ليخبرنا أن محمد وصل بغداد ويريد لقائي على العنوان التالي، حيث دسّ في يدي قصاصةً صغيرة مكتوبًا فيها العنوان فقط، أما اليوم والساعة فأبلغني بهما شفاهًا.
ذهبتُ إلى العنوان في اليوم المحدد، مع حساب الوقت للوصول في الساعة المطلوبة. كان العنوان في بغداد الجديدة قرب سينما البيضاء، في محلٍّ للتصوير والطباعة، وكان لقاءً عظيمًا بالأحضان، يا محمد.
كان لقاؤنا محاطًا بالسرية التامة، حتى بالنسبة لصاحب المحل الذي لا أعرفه، وقدّمني محمد له على أساس أني (صباح النجار) موظف في دائرة البريد. وبعد برهة قصيرة شربنا الشاي وتناولنا سكارتين، وراح يقصّ لي مشواره الصعب بعد أن ترك بيتهم حينما داهمتنا قوة الأمن الحقيرة عندما كنت أدرّسه الإنكليزية. يقول محمد:
"تسلّقتُ الجدار الفاصل بيننا وبين الجيران، ومن حديقتهم إلى جدار بيتٍ آخر، ومنه إلى سطح أحد البيوت، إلى أن وصلتُ بيت أحد الرفاق لأبلغه بالموضوع. بقيتُ في بيت هذا الرفيق ليتركني أنتظر، فقد ذهب لإبلاغ الحزب عن الوسيلة التي احتمي بها من الأمن. رجع الرفيق بعد ساعات ومعه توجيه بضرورة أن أترك بغداد وأتوجه إلى كردستان حسب العنوان الشفوي الذي أبلغني به. أرسل هذا الرفيق أمه، وبطلبٍ مني، إلى بيتنا لتجلب لي الجنسية وهوية الطالب. في منتصف ليل نفس اليوم أوصلني هذا الرفيق، وبسيارة معارفه، إلى كراج النهضة، ومنه أخذتُ الباص الصاعد إلى كردستان، ونقدني خمس دنانير، وغادرتُ إلى أربيل التي وصلتُ إليها ضحى اليوم التالي. لم أفكر في العودة إلى البيت لأنني توقعت أن ينصبوا لي كمينًا، ولكن بقيتُ قلقًا على جودت، أما (ع) فكنت أتوقع أنه لن يصمد."
فعلاً، كان مشواره طويلًا وصعبًا ومحفوفًا بالمصاعب، ولكن رفاقنا هناك (في كردستان) ساعدوه كثيرًا بسبب التزكية من الحزب. ولكن الأمر المزعج أن العام الدراسي قد ضاع عليه مرةً أخرى، مما سيضطره إلى أن يسجل للامتحان الخارجي، كما كان معروفًا في ذلك الزمان.
دام لقاؤنا أنا ومحمد حوالي ثلاث ساعات، وقد تداولنا الكثير من الأمور، ووجدته أكثر إصرارًا على مواصلة النضال من أجل المبادئ والقيم والأخلاق الشيوعية.
(يتبع)
