للذهاب الى صفحة الكاتبة   

التكنولوجيا والقيم السياسية

خديجة جعفر

١٦/٧/٢٠٢٦

 

ربما يتوجب على البعض منا أن يجيب سائل عن تاريخ ميلاده بأننا: "من مواليد ما قبل اختراع  الخلوي"...

إجابة مماثلة، كافية لصدمة مُستَمِع من جيل أولاد وأحفاد حاضرين، وليس من ماض بعيد …

 

إجابة كهذه قد تشي بأننا أيضا، أننا من جيل الورق، جيل التحصيل الكمي وسطوة اللحظة في اتخاذ المواقف والقرارات وانصاف التقييمات وفقا لموجبات التفاعل المباشر وتفحص الوجوه من ردود الأفعال، الأمر الذي  يظهر منا جوانب الانفعال وربما الابتعاد مسافة عن التخطيط الاستراتيجي المبني على أكبر قدر ممكن من الوثائق ودراستها وتشريحها واستخلاص عبرها في عمليات البناء وتحقيق المصالح العامة بحيث يرجع السبب المباشر في ذلك لعدم توفر الآليات المثلى كتلك التي توفرها التقنيات الحديثة لأجيال اليوم، تلك التقنيات التي وصمت صراع الأجيال بأبعاد جديدة من فروقات النوع والكيف في التحصيل العلمي، والتي تستخدم التكنولوجيا منابعها المعرفية فتشكل الفاصل بين جيلين متقاربين، تمكن شبابه من أن يحقق هذا التقدم الهائل مستفيدا من شبكة انترنت وتقنيات وظفت للتطوير والتحول على كافة الأصعدة والمجالات من العلوم والعمل والصحة والإنتاج والفكر وغيرها، خلال سنوات معدودات من عمر الأجيال.

 

من الملفت، وما يجعلنا نواجه سؤالا أساسيا اليوم، لا سيما وسطوة التكنولوجيا وتقدمها السريع، حول السبب الكامن خلف تراجع الإنتاج لبدائل المفاهيم السياسية وسر استقرارها عند ما أفرزته الثورة الفكرية في ظل هذا التقدم التكنولوجي المؤثر الإيجابي على العلم والتوثيق والنشر والانتشار..

 

فإن تكن السياسة فن إدارة المجتمع من خلال تنظيم السلطة، وصنع القرارات العامة، وتسوية المصالح المتعارضة، بما يحقق الاستقرار وفق قواعد ومؤسسات شرعية",  فكيف يمكن للتكنولوجيا خلق المناخ الفني المناسب لحسن الإدارة؟

 

لعل أبرز منجزات الثورة الفكرية الفرنسية ومفكريها جملة القيم السياسية الجديدة  التي حولت إدارة السلطة من حال إلى آخر كقيم: الحرية، المساواة، الديمقراطية، المواطنة، الحقوق، القانون، ودولة العناية، فصل السلطات، الدستور وسيادة الأمة ووو…الخ من المفاهيم التي تبنتها سريعا غالبية المجتمعات فيما تسعى إليها المجتمعات الأخرى.

 

وبدافع الدقة، يجدر الالتفات الان لاعتبار مستجدات الأنظمة والسياسات التدخلية والقيم السياسية، لا ينفي أن الواقع السياسي العالمي اليوم، يواجه تراجعًا أو تحديات في التطبيق، وإن اختلفت بين دولة وأخرى على الرغم من كم الدراسات والبحوث والفلسفات المفسرة، وجدل الإصلاحات لتلك الثغرات، لكنها جهود بقيت قاصرة عن إنتاج البديل السياسي من النظم أو القيم التي تمكن مجتمعات اليوم من تخطي أزمات العصرنة والعولمة واقتصرت على توسيع أطر التوظيف للقيم والمفاهيم السابقة أو نقدها وإعادة تفسيرها في ضوء تحديات جديدة من عالم معولم.

 

تعجز الثورة الرقمية سياسيا عن تحقيق ما حققته سابقتها، على عكس ما نجده من قفزات نوعية في العلوم والأفكار والإنجازات، بحيث يمكن القول إن الكثير من النظم الاقتصادية والمجتمعية وحتى التربوية قد تحول ان داخل المجتمعات وبينها، إلا ما يتعلق بالمفاهيم السياسية، بحيث لم يختف أي من مفاهيم وقيم سياسية مما تقدمت به الثورة الفكرية، بل إنها استمرت تشكل الأساس الدستوري والقانوني للدول حتى اليوم والتي تواجه تحديات التفاوت والمعنى والمصير.

 

فمنذ القرن العشرين وحتى اليوم، ويتم إعادة صياغة لمفاهيم الفكر التنويري  سياسيا لتتناسب مع تحولات الدولة والمجتمع والعولمة دون القدرة على إيجاد البدائل. فإن تكن قيم "المساواة أمام القانون" قد اتخذت في حينه، شكل إلغاء الامتيازات الوراثية والطبقية لترسم أول الانتصارات لإنسانية القرن التاسع عشر، في حين لم تحقق مجتمعات ما بعد الحداثة ما يسعف المعنى والعمق لقيم المساواة والعدالة وإمكانية ردع الآثار السلبية عن التفاوتات المناطقية أو الجندرية أو العنصرية  أو الانتمائية, أو تلك المرتبطة بمعايير طبقية لقدرات اتخاذ أو تحريك القرار.

وإن يتخذ مفهوم الحق في العلوم السياسية معنى: "الحريات والاستحقاقات التي يضمنها الدستور والقانون لكل فرد، والتي تفرض على الدولة والمجتمع واجب الاحترام والحماية بما يحقق كرامة الإنسان والمساواة والعدالة", لنجده ينفي ضمنا مصداقية المطالبة بالمساواة، حيث أن التفعيل الحقيقي والفاعل للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية للأفراد يحقق المساواة فيما بينها..

 

لم تقدم الثورة المعلوماتية حلولا فاعلة لمعالجة الثغرات التي تواجه العصر المعولم، رغم مساهمتها القيمة على مستوى الثقافة والمعرفة ووعي الشعوب إلا أنها أعجز من أن تحقق مساواة بين من يملك وغير المالكين لهذه التقنية التي أصبحت  مقياسا للقوة والنفوذ..

 

تُختصَر أزمات العالم الرقمي اليوم بآليات احتكار المعلومات، فتشكل الملكية التقنية مرتكزا للاصطفاء في ظل غياب الأطر الفكرية والتنظيمية لهذا التوزيع اللامتكافئ للثروات المعرفية، ما جعل ملكية التكنولوجيا منبعا للسلطة والتسلط، وإذ تستحدث الثورة المعلوماتية اليوم من الحقوق، فهي تلك المتعلقة بالحقوق الرقمية جهة النشر وحماية البيانات الشخصية وحرية الوصول إلى الإنترنت، ما يصعب  أن يحقق مساواة حقيقية طالما ينحصر في إطار الحرية الاستهلاكية من خدمة مدفوعة الأجر وليس على مستوى حق الملكية الذي  يضمن فعالية هذه الحقوق.

 

تطرح الحكومات والأنظمة مفهوم "العدالة" كمبدأ ينظم توزيع الحقوق والواجبات والموارد والمسؤوليات بين أفراد المجتمع وفق معايير موضوعية من المساواة والاستحقاق والإنصاف، بما يضمن حماية الحقوق وتحقيق الصالح العام في إطار القانون." انجد اذا أن العدالة مفهوما مرتبط مباشرة مع مفهوم الحقوق، وهما حاضران دائما كموضوعات بحث ودراسة وتطبيق، لم يغيبا عن ساحة المطالبة التنموية للشعوب، ليثبت مفهوم الحق فيما يتجه مفهوم العدالة حديثا مع المفكر (جون رولز)، نحو ما يوَصفه "إنصافًا", إلا أن الإنصاف يبقى توجه شخصي  أخلاقي لا يخضع لمعايير القياس أو التجربة، بالتالي فهو بعيد عن تحقيق المساواة  بل مجرد خفض الأثر.

 

جل ما حققته الثورة المعلوماتية على مستوى "العدالة" اليوم يختصر بحرية الحصول على المعلومات، وهي حرية تحمل القبول أو عدمه دون أن ترقى إلى مصافي الحقوق من قدرة تحقيق العدالة، وإن يذهب بعض الباحثين لدراسة تأثير المال والإعلام وجماعات الضغط على استقلالية القضاء والحد من قدرة المواطن على التأثير في القرار السياسي وانعكاسه حكما لا يمكن التسليم معه في أن تعتبر "العدالة" "إنصافا" كافيا لحماية الأفراد من اللامساواة، وفي حين يحاجج هابرماس في كتابه" بين الواقع والمعايير" ليخلص إلى أن شرعية القوانين والقرارات السياسية لا تُستَمد من مجرد تصويت الأغلبية وحده  بل من إمكانية قبولها عقلانيًا من قبل جميع المعنيين بها عبر نقاش حر ومتكافئ مطلقا مصطلح "الديمقراطية التداولية" بالتالي ف "هابرماس" لم يتنازل عن الاستخدام المتوارث لمفهوم  الديمقراطية، بل جادل في مفاصله ليحصل اضافة أكثر اتساعا من الاستخدام المعهود، موليا الأهمية للتمثيل العقلاني عن آلية تختصرها صناديق اقتراع بعيدا عن التفكير والحوار والمشاركة، بالتالي قد يصعب اعتبار هذا الجدل تحولا عميقا على مستوى الفكر السياسي..

 

 أن الثورة التكنولوجية استطاعت إحداث التحول العميق والتقدم على كافة المستويات وصولا إلى قدرات الذكاء الاصطناعي، إلا أنها تقف عند حدود المرونة وتوسيع أطر التوظيف من المفاهيم السياسية الراسخة والمتوارثة لمنتجات القرن التاسع عشر، ليبقى السؤال حول قدرة التكنولوجيا على خلق عوالم وأنظمة واشكال سلطة جديدة لإدارة المجتمعات والموارد وتقليص الفوارق التي أظهرتها العولمة…

 

خديجة جعفر

١٦ /٧ /٢٠٢٦