
من رحم النضال/ 35
د. مزاحم مبارك مال الله
الظاهرة التي شدّت انتباهي في جامعة الموصل ومعاهدها هي تأثير زملائنا في الطلبة بشكل عام، وفي أعضاء الاتحاد الوطني بشكل خاص؛ فكثير من أعضاء الاتحاد الوطني قد رُفعت عن عيونهم غشاوةُ الاقتناع بمنهج ونهج البعثيين، فتركوا اتحادهم وطلبوا الانتماء إلى اتحاد الطلبة العام.
ظاهرة الاصطفافات في الصداقات ظاهرة اعتيادية جدًا في المجتمعات والشرائح المختلفة، سواء بين النساء أو الرجال، بين الطلبة، وبين مختلف المهن... إلخ.
أصبح من أصدقائي المقرّبين حازم وطه ومنعم وباسم وباسل الصفّار وسعد ونجلة ورجاء وأكرم وغيرهم الكثير من كلية العلوم، وكذلك رعد حسون ورعد عبد الجليل وعلي (ابن عمة أكرم) ومرتضى إبراهيم (ابن أخ الشهيد الخالد سلام عادل) وغيرهم الكثير من كلية الهندسة.
قبل الاحتفال بعيد ميلاد الحزب الأربعين، يوم 31 آذار 1974، بيوم واحد، أي في 30 آذار، جاءني العزيز جدًا الراحل حازم الهلالي مقبلًا بوجه مبتسم وفرِح للغاية:
• مزاحم... تعالَ معي
• ها عيني حازم، خيرًا؟
• لديّ لك خبر سار جدًا... كل التهاني
• قُل، الله يبشّرك بالخير...
• ورد اسمك ضمن الذين مُنحوا شرف العضوية...
احتضنني وهو يقول: كل التهاني والتوفيق... إنه يوم ميلادك، إنه يوم عرسك... مبروك عزيزي، الفَرحة ستصبح فرحتين، وخلال أيام سيتصل بك أحد الرفاق ... وأعطاني كلمة السر.
في أحدى محاضرات المختبر العملي جلس بجانبي أحد الطلبة (ولاحقاً أحد أقرب الرفاق لي – أطال الله بعمره) وبعد السلام تكلم معي مبتدأ بكلمة السر، وبذلك فقد تمت عملية أنتمائي الى الحزب بشكل كامل.
علم بعض الرفاق (من خليتي التي نُسبت إليها إحدى خلايا التنظيم في كلية العلوم) بموضوع منحي شرف العضوية، فجاؤوا مهنئين ومطالبين بعزيمة. وكانت ليلة جميلة قضينا فيها وقتًا رائعًا مع الأغاني والأناشيد الثورية من تراث حزبنا الشيوعي العراقي المجيد، متهيئين للاحتفال بالذكرى الأربعين لميلاد الحزب العظيم.
نقلني هذا الخبر نقلة نوعية في تفكيري ومشاعري وأحاسيسي. ولم يعاودني هذا الشعور إلا بعد مرور 13 عامًا وتسعة أشهر تقريبًا، حينما رُزقت بابنتي البكر هند يوم 5/12/1985. حينها شعرت أنني أمتلك الدنيا محبةً ومسؤولية... عالمًا آخر ودنيا أخرى. هكذا كان شعوري يوم حصولي على شرف العضوية، وبدأت أحسب أنني دخلت دنيا ثانية لا يجرؤ على دخولها إلا الذين يمتازون بصفات خاصة حدّدتها حركة تاريخ الشعوب وأساليب النضال من أجل الانعتاق والتحرر نحو مجتمع العدالة الاجتماعية.
شعرت بالزهو البالغ لأنني أصبحت محسوباً على المناضلين الذين ناشدهم الرفيق الخالد فهد بوصاياه، وشعرت بالفخر لأنني أصبحت ممن يتغنّون بصمود وتضحيات الشيوعيين عام 1963.
المشوار طويل... وحياة الحزب أطول... تمتّعك بالوعي يعني أن مسؤوليتك تكون أكبر وأقسى.
في اليوم الثاني، احتفل الرفاق والرفيقات، على المستوى الفردي والجماعي والتنظيمي، بعيد ميلاد الحزب.
(يتبع)
