
السلام مستقبل مؤنث.!
هايل المذابي
اليمن
لم أفلح في التعايش والتأقلم مع هذه الآلة الحديدية التي تتكلم. وفي طفولتي كنت أجد أحياناً فقط في تلك المسلسلات الكرتونية شيئاً من الجاذبية ربما لشغفي بالقصة الذي ولد معي، وما زال ذلك الشغف يسكنني متمثلاً في متابعتي لكل جديد في عالم الأفلام السينمائية.
أنا أعيش في بلدٍ نامٍ جداً أو هو أقل نمواً، لذلك فلا منأى لمثلي من أن يتخذ بدائل أخرى يشاهدها مما يمنحه أقساط المتعة حين يتعذر عليه الحصول على متعته بسبب سوء التواصل مع العوالم المنتجة للأفلام وإنقطاعه بين الحين والحين، حتى في زمن الانترنت ومنصات عرض الذكاء الاصطناعي المشهورة.
من تلك البدائل التي اجتهدت على متابعتها حين تشبعت تماماً بمشاهدة كل ما يمكن مشاهدته من أفلام أنتجت في سنوات ماضية؛ عالم الحيوان. إنها متعة لا توصف لمن يمتلك ملكة المقارنة بين عوالم الوجود الثلاث ما اختلف منها وما افترق. ثمة رقي عظيم جداً في هذا العالم يتميز به عن عالم البشر، وهذا الرقي يمكن ملاحظته في المساواة بين الذكور والإناث في كل شيء، بل إن لبعض الأنواع من الحيوانات تفضيل أكبر للأنثى على الذكر. وهذا احترام كبير يمكن لمن يجيد التأمل إدراكه يفوق تفاصيل التعاملات الاجتماعية في عالم البشر.
إذا كانت مهمة الصيد وخوض الحروب لا توكل إلا للرجال العظام في عالم البشر كنوع من إثبات الرجولة والقوة، فإننا نجد ما هو أبلغ من هذا في عالم الحيوانات؛ فالأنثى لدى معظم الأنواع بدءاً من ملك الغابة مروراً بأنواع أخرى كثيرة هي من تقوم بمهمة الصيد، وليس هذا تعبيراً عن ضعف الذكور أو تقاعسهم بل هو تشريف لمقام الأنثى واحترام لمبدأ المساواة وتقديس لوجودها.
لقد عاشت المرأة في العصور البعيدة أو الأبعد على هذا الشكل، لكن ما حصل لاحقاً لم يثبت إلا الركض النهم نحو تكريس النوع البشري نحو الأحادية والنرجسية الذكورية، ولعل ذلك لا يعبر إلا عن غيرة مما يمكن أن يكون للأنثى قدرة على صناعته ببلاغة وبراعة تفوق قدرة أعظم الرجال.
وفي عصور الجاهلية لم يكن للمرأة ما تفاخر به، فكانت المعايير التي يقيم بها العصر جسدية بحتة، ولذلك كانت الأنوثة تشبه العار فهي لا تستطيع أن تقاتل أو تفعل ما يفعله الرجل. ومازالت تلك النظرة سائدة لأن المرأة لم تحقق شيئاً، ولعل الشيء الوحيد الذي يبقيها حية هو أنها تلد الرجال وتربيهم.
هذا المآل الذي وصلت إليه المرأة في جوانب الإبداع والعقل لم يتحقق بسهولة كما قد يظن البعض وليس محدثاً، بل إن هذه المكانة قد تبلورت عبر تاريخ كبير من المشقة التي عانتها المرأة في كل المجالات؛ فالمرأة كانت مستبعدة تماماً من كل شيء حتى من أبسط الحقوق، ولعل الغرب قد انتصر قليلاً للمرأة أما الشرق فلا يزال في ضلاله القديم لا سيما بعض الدول العربية ودول الشرق.
في نهاية القرن العشرين كان هناك ما نسبته 10% فقط من براءات الاختراع التي سُجلت باسم امرأة، وحين نلقي نظرات متمعنة و فاحصة على كل الاختراعات التي ظهرت خِلالَ القرون الماضية، سيبدو جلياً لنا كيف أن عدداً قليلاً جداً من النساء قد شاركن أو اخترعن تلك المخترعات. وحين نبحث عن أسباب ذلك سندرك أن السبب لم يكن في قصور عقل المرأة أو عدم امتلاكهن للعبقرية والقدرة على الإبداع، بل -وهو الأهم لنعلمه- أنهن وجدن الكثير من العقبات والصعوبات التي حالت دون إظهار عبقريتهن وأفكارهن، وحتى إن تجرأن على ذلك فإن تلك الأفكار والإبداعات كانت اعتسافاً تُنسب لغيرهن. قوانين أوروبا مثلاً وأمريكا حتى وقت ليس بعيد كانت تَمنعُ المرأةَ من امتلاكِ أي شيءٍ وخاصة الأفكار وبراءات الاختراعِ، وكانت تُنسبُ أفكارُها لزوجها أو والدها. كما أن المرأةَ كانت محرومةً من التعليم المُناسب الذي قد يُساعدها على تحويل أفكارها إلى شيءٍ عملي ملموس، وبعضُهن تعرضنَ للسخرية والتحيز عند السعي لطلبِ المُساعدة من الرجال من أجلِ تَنفيذِ أفكارِهن، واستقبلَ المجتمعُ معظمَ أفكارِ المرأةِ بالازدراءِ والإجحافِ والتجاهلِ برغم أهميتها في تحسين حياةِ نساءٍ كُثر، واعتبروها أفكاراً محليةً لا تستحق الإشادة أو الشكر، وكان عامَ 1809 تاريخُ حصولِ أول امرأةٍ على براءة اختراع باسمها وليس بأسماء ذَويها.
لقد فطن الباحث الأمريكي الجنسية الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما لذلك الوجود الضروري للمرأة في كل مجالات الحياة وأهميته عندما أطلق عام 1998م نظرية عنوانها (تأنيث المستقبل) يدعو فيها إلى ضرورة إعادة سلطة المرأة لأن تأنيث الشؤون الدولية برأيه سيضيِّق الفرصة أمام الحروب والفتن لاسيما إذا كانت المرأة في موضع القرار السياسي. وفي عام 2002 ناشدت ست عشرة وزيرة خارجية دول في العالم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أن تتم دعوة المرأة للمشاركة في مفاوضات السلام عند انتهاء الحروب.
تلك الحاجة المُلحة لتأنيث المستقبل تستدعي نفسها بشدة في الوقت الراهن خصوصاً في الشرق الأوسط لما أصابه من تمزق وشتات وحروب وصراعات على الحكم بين الجماعات الدينية وبين الأنظمة الحاكمة وصار شبح الخراب والدمار يتربص في كل مكان.
إن العصر الذي نعيشه هو عصر حروب متلاحقة وصراعات ونزاعات، وكل محاولات تحقيق السلام والأمن تلبث أن فشلت بدعاوى عديدة منها المصالح الكبرى والصغرى والولاءات وضيق مساحات القبول بالآخر. لكن لمن يتأمل، لن يجد أن كل هذه الدعاوى تبرر إراقة قطرة دم واحدة مهما تعاظمت، وكل ما يفهم منها هو فشل الرجل دائماً في تنفيذ هذه المهمة؛ ربما لأن حكمته التي اشتهر بها قديماً قد تلاشت تماماً أو هرمت مع تقادم الزمان كما تبلى شفرة السكين بكثرة الحز ودوامه.
وإن كان ثمة مستقبل يمكن أن يتحقق للبشرية فيه أي نوع من الأمن والسلام والازدهار فلا بد أن يكون مستقبلاً مؤنثاً في كل مؤسساته ومراكزه القيادية، بعيداً عن النظرة الذكورية التي يتم بها تقسيم كعكة المناصب والحقائب الوزارية والمؤسساتية في الشرق لعلة قصورها عقلياً كما يقال عنها؛ لأن الفهم لما يمكن أن تحققه المرأة وتنجزه في كافة المجالات لدى الذكور هو القاصر، وهو ما يجب إعادة النظر فيه.
حينها لا أشك مطلقاً في حياة مترفة منعمة بالمحبة قد تستمر بلا حروب لأبعد ما يمكن من سنوات.
